هل وفرت الحكومة بيئة جذابة للصناعات في حلب؟

2026.03.30 - 10:48
Facebook Share
طباعة

 تشهد المدن الصناعية في حلب وريفها حالة معقدة من التحديات الاقتصادية، حيث يواجه الصناعيون بيئة محفوفة بالمخاطر مقارنة بالتجار، نتيجة لتأثرهم المستمر بتقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الطاقة، إلى جانب عدم استقرار القوانين وتعرض منتجاتهم لمنافسة قوية من منتجات منخفضة الجودة في الأسواق المحلية. هذه العوامل مجتمعة تؤثر سلبًا على قدرة القطاع الصناعي على جذب الاستثمارات، وتشجع رؤوس الأموال على التوجه نحو الأنشطة التجارية والخدماتية بدلاً من الإنتاج الصناعي.

ويشير الخبراء الاقتصاديون إلى أن هذا الوضع لا يقتصر على الركود في المدن الصناعية، بل يعكس تحولًا تدريجيًا في الاقتصاد السوري نحو أنشطة تجارية أكثر ربحية وأقل استقرارًا من الصناعة.

عناصر نجاح المدن الصناعية

الخبير الاقتصادي محمد علبي يرى أن تحديد مستقبل المدن الصناعية في حلب وريفها يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية: حماية المنتج الوطني، استقرار التشغيل، وتنظيم السوق. هذه العناصر لا تمثل خطوات إجرائية فحسب، بل شروط وجود أساسية تجعل المدينة الصناعية قاعدة إنتاج حقيقية، وإلا فإنها تظل مجرد تجمع إداري أو عقاري بلا قيمة صناعية.

ويضيف علبي أن المدن الصناعية تمثل أداة أساسية في السياسة الاقتصادية للدولة، حيث يمكنها توجيه الإنتاج نحو التصدير عبر تخفيض تكاليف الإنتاج، أو حماية السوق الداخلي لتعزيز التشغيل المحلي. واستمرار المطالب ذاتها من الصناعيين بشأن الطاقة، التمويل، وضبط الاستيراد المفتوح يعكس وجود خلل بنيوي في الاقتصاد السوري، الذي يتحول تدريجيًا إلى نموذج يعتمد على السيولة السريعة، بينما تتطلب الصناعة وقتًا واستقرارًا طويل الأمد. كما أن هيمنة كارتيلات الاحتكار والاستيراد تعمّق من هذه المشكلة، وتضع الصناعة في موقع عبء اقتصادي يحتاج للحماية.

تعافٍ نسبي في المدينة الصناعية بالشيخ نجار

تعد المدينة الصناعية في الشيخ نجار شمال شرقي حلب نموذجًا يمكن من خلاله قياس واقع المدن الصناعية بعد سنوات النزاع. تقع على بعد نحو 15 كم من مركز المدينة، وتمتد على مساحة 4,412 هكتارًا، مقسمة إلى ثلاث فئات صناعية بحسب حجم المنشآت، وتضم 6048 مقسمًا بمساحات تبدأ من 450 مترًا مربعًا.

يقول مدير المكتب الإعلامي للمدينة الصناعية عبد القادر عبد الحي إن عدد المقاسم المخصصة وصل إلى 4670، بينما بلغ عدد المنشآت العاملة 1506، موزعة على قطاعات الغذاء، الهندسة، النسيج، الكيميائيات، الأدوية، مواد البناء، الدباغات، والبرمجيات. ويشير عبد الحي إلى أن سنوات الحرب تسببت في توقف واسع للمنشآت وتدمير خطوط الإنتاج، لكن المدينة تشهد الآن عودة تدريجية للإنتاج، مع ارتفاع عدد المنشآت العاملة من 920 منشأة نهاية 2024 إلى 1506 نهاية 2025، ما يعكس وتيرة تعافي ملحوظة.

ويضيف عبد الحي أن الطلب على المقاسم الصناعية ما يزال مرتفعًا، حيث تم استقبال 2230 طلبًا خلال الاكتتاب الأخير، وتم تخصيص 346 مقسمًا جديدًا، ما يشير إلى وجود فرص استثمارية تفوق العرض المتاح.

رغم هذا التحسن، ما تزال المدينة تواجه تحديات كبيرة مثل تدهور شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، ارتفاع تكاليف الطاقة، صعوبات التمويل، وتعقيدات التصدير إلى الأسواق الخارجية. وتعمل الحكومة على تحسين البنية التحتية، بما في ذلك تزفيت الطرق، صيانة الشبكات، تحديث نظام "النافذة الواحدة"، وتقديم تسهيلات استثمارية تهدف إلى تعزيز بيئة العمل الصناعي.

تراجع دور المناطق الصناعية في ريف حلب

تشهد المناطق الصناعية في ريف حلب، خاصة في المدن المحررة سابقًا، تراجعًا نسبيًا في دورها الاقتصادي أمام المنافسة المتزايدة من المدن الصناعية الكبرى، رغم استمرار أهميتها في دعم النشاط الإنتاجي بالمنطقة الحدودية. تنتشر في ريف حلب ست مدن صناعية في جرابلس، الباب، الراعي، أعزاز، مارع، وأخترين، والتي كانت تحت إشراف الحكومة المؤقتة قبل انتقال إدارتها للحكومة السورية.

ويشير الوزير السابق عبد الحكيم المصري إلى أن هذه المدن ساهمت في تنشيط الاقتصاد المحلي، لكن دورها تراجع بعد ظهور مدن صناعية كبرى مثل حسياء في حمص والشيخ نجار في حلب، التي تتمتع بإمكانات أعلى. ومع ذلك، تحتفظ هذه المدن بأهميتها في مناطق مثل الراعي وأعزاز، حيث توفر بنية تحتية جيدة وإمدادات كهرباء مستمرة من تركيا، كما تستضيف مصانع متنوعة في مجالات الأدوية البشرية والبيطرية، الزراعة، الإسمنت، الإسفلت، وأغذية الأطفال.

في المقابل، تواجه هذه المناطق تحديات تتعلق بنقص اليد العاملة والخبرات، نتيجة عودة بعض المهجرين إلى بلدانهم، ما يؤثر على قدرتها الإنتاجية على المدى الطويل.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 4