كشف تحقيق استقصائي مطول تفاصيل مخطط سري قاده جهاز الموساد الإسرائيلي في أواخر ستينيات القرن الماضي، استهدف تهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين من قطاع غزة إلى باراغواي في أمريكا الجنوبية.
التحقيق، الذي أعده الصحفي بن رايف نائب رئيس تحرير مجلة "972+" العبرية، استند إلى سلسلة بودكاست بعنوان "فلسطينيون في باراغواي"، وكشف عن خطة هدفت إلى ترحيل نحو 60 ألف فلسطيني، في واحدة من أكبر مشاريع التهجير التي طُرحت في تلك الفترة.
خدعة السفر والعمل:
تعود البداية إلى سبتمبر 1969، حين استقل نحو 20 شابًا فلسطينيًا طائرة من مطار في وسط إسرائيل بعد وعود بوظائف في البرازيل برواتب تصل إلى 3 آلاف دولار شهريًا، مع إمكانية التحاق عائلاتهم لاحقًا انتهت الرحلة في أسونسيون عاصمة باراغواي، حيث وجد الشبان أنفسهم دون عمل أو سكن، بعد سحب هوياتهم ومنحهم بطاقات جديدة بمهن عشوائية، ثم توزيعهم في مناطق ريفية معزولة.
الوقائع تؤكد أن الرحلة كانت جزءًا من برنامج منظم لإخراج الفلسطينيين من غزة عبر عروض عمل وهمية. أحد الناجين، طلال الديماسي، روى أنه وُضع أمام خيارين: الانضمام إلى البرنامج أو مواجهة طرد عائلته، في سياق ضغط مباشر على الشباب.
تفاصيل الصفقة السرية
وثائق تعود إلى مايو 1969 تكشف اتفاقًا يقضي بدفع 33 دولارًا عن كل شخص يتم تهجيره إلى حكومة باراغواي، مع دفعة أولى بلغت 350 ألف دولار مقابل أول 10 آلاف شخص. الخطة استهدفت ترحيل نحو 60 ألف فلسطيني، في وقت لم يتجاوز فيه عدد سكان غزة 400 ألف نسمة، وهو حجم كان كفيلًا بإحداث تغيير ديمغرافي واسع.
عدد المرحّلين الفعليين بقي غير محدد بدقة، إلا أن المؤشرات تدل على استهداف شريحة واسعة من الشباب، ضمن تصور يقوم على تقليص الكثافة السكانية في القطاع.
مقاومة وانكشاف الخطة:
الظروف القاسية دفعت كثيرين إلى الفرار نحو دول مجاورة أو البحث عن سبل عيش بدائية. في 4 مايو 1970، اقتحم طلال الديماسي ورفيقه خالد كساب السفارة الإسرائيلية في أسونسيون، فأسفر الاشتباك عن إصابة السفير بنيامين ويزر فارون ومقتل سكرتيرته إدنا بير.
القضية أثارت اهتمامًا واسعًا، وخلال محاكمة استمرت عامين انكشفت تفاصيل الخطة، الأمر الذي أدى إلى وقف البرنامج. صدر حكم بالسجن 13 عامًا على الشابين، قضيا منها 8 سنوات، مع تعرضهما لمحاولات اغتيال داخل السجن.
امتدادات في الحاضر:
التحقيق يربط هذه الخطة بسياسات لاحقة تتعلق بتهجير الفلسطينيين، مستندًا إلى تهجير نحو 750 ألف فلسطيني عام 1948، ونزوح مئات الآلاف عام 1967. كما يسلط الضوء على طرح مقترحات حديثة لنقل سكان غزة إلى خارج القطاع تحت مسميات مختلفة.
في سياق متصل، جرى إنشاء مكتب للهجرة الطوعية، مع تداول تصريحات رسمية تدعو إلى خروج الفلسطينيين من غزة. وفي نوفمبر الماضي، جرى رصد رحلة نقلت 153 فلسطينيًا من مطار رامون إلى جوهانسبرغ عبر كينيا، بعد دفع مبالغ تراوحت بين ألف و3 آلاف دولار للشخص، دون توفير سكن أو تذاكر عودة.
تحقيقات لاحقة كشفت أن الجهة المنظمة ترتبط برجل أعمال إسرائيلي-إستوني، وأن النشاط تم بترخيص رسمي، الأمر الذي يعزز الشبهات حول وجود آليات منظمة لإعادة طرح فكرة التهجير.
صمود رغم الضغوط:
ورغم تدمير نحو 90% من البنية التحتية في غزة وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا، لم تنجح محاولات التهجير الجماعي في تحقيق أهدافها. الخلاصة تؤكد أن خطة باراغواي تمثل نموذجًا مبكرًا لسياسات تتكرر بصيغ مختلفة، في مقابل تمسك الفلسطينيين بأرضهم رغم الضغوط المستمرة.