تواصل القاهرة لعب دور محوري على الصعيد الإقليمي في إدارة تداعيات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، منذ اندلاعها في 28 شباط/فبراير الماضي، والتي دخلت مراحل حرجة بالغة التعقيد. تحرك مصر في هذا السياق لم يكن مجرد وساطة رمزية، بل جاء نتيجة تقدير دقيق للمخاطر السياسية والاستراتيجية، وعكس إدراك القيادة المصرية لأهمية توازن القوى في الشرق الأوسط، وحماية الأمن القومي المصري، إضافة إلى الحفاظ على مصالح اقتصادية حيوية مرتبطة بتدفق التجارة والطاقة.
تلعب مصر دور الوسيط التقليدي بين الأطراف المتصارعة، حيث تلقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاً هاتفياً من كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، نقل خلاله تقدير الرئيس الأميركي دونالد ترامب لدور القاهرة في احتواء الأزمات، وفتح قنوات اتصال تسهم في تهدئة الموقف ودعم جهود الوساطة.
أسهمت جهود القاهرة في إعادة فتح قنوات اتصال مع الحرس الثوري الإيراني، بعد اغتيال عدد كبير من قادة الصفين الأول والثاني في طهران، ما أدى إلى توقف بعض القنوات الدبلوماسية السابقة كما ساعدت الوساطة المصرية في تراجع مهلة الـ48 ساعة التي حددتها واشنطن لطهران لفتح مضيق هرمز، وتمديدها خمسة أيام إضافية، ما منح فرصة لخفض حدة التوتر.
على الصعيد السياسي، تحتفظ القاهرة بمصداقية كبيرة لدى إيران لدورها التهدئة، ما يتيح لها لعب دور الوسيط بين القوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك التفاوض حول الملفات الحساسة دون مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو دول الخليج.
من الناحية الاستراتيجية، تركز مصر على منع توسع دائرة الصراع وحماية استقرار دول الخليج، أبرزها الإمارات والسعودية والكويت وقطر، مع الحرص على الحد من أي تهديد محتمل للممرات المائية الحيوية، مثل مضيق باب المندب وقناة السويس، اللذين يشكلان شرياناً أساسياً للتجارة العالمية ومصدر عملة أجنبية للبلاد كما تؤثر الحرب على الاقتصاد المصري، إذ ارتفع سعر الدولار بنحو 12% منذ اندلاعها، ما يزيد الضغط على المستوردات والالتزامات المالية للدولة.
الدور المصري لا يقتصر على الوساطة الدبلوماسية فحسب، بل يشمل استخدام النفوذ السياسي في المنطقة لتفعيل التهدئة بين الأطراف المتحاربة، وخلق أجواء من الثقة المتبادلة، ما يعزز من قدرة القاهرة على ضبط التوازن الإقليمي. الجولة الأخيرة للرئيس عبد الفتاح السيسي في دول الخليج حملت رسائل واضحة للتهدئة، وحددت خطوطاً سياسية واستراتيجية، وساهمت في تقديم رؤية مصرية لتفادي أي انزلاق نحو فوضى شاملة قد تتجاوز حدود النزاع الإيراني-الأميركي.
يرى مراقبون أن الرهان على قدرة مصر في استثمار خبرتها التاريخية وعلاقاتها الإقليمية لإدارة الأزمة بشكل مدروس، يجعل القاهرة لاعباً أساسياً في حفظ الاستقرار، وتخفيف حدة الصراع، وضمان عدم استفادة القوى الأخرى، خصوصاً إيران، من أي ثغرات قد تضعف أمن المنطقة واستقرارها الاقتصادي والسياسي.