تشير التطورات الأخيرة في جنوب لبنان، ولا سيما تفجير جسور نهر الليطاني، إلى تحول في الاستراتيجية الإسرائيلية يتجاوز العمليات العسكرية المباشرة، ويهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية على الجبهة الشمالية. ويأتي هذا التحول بعد عملية طوفان الأقصى، حيث لم يعد الهدف محصوراً في احتواء التهديد أو الاعتماد على ردع محدود الفاعلية، بل أصبح يتجه نحو إعادة تنظيم المجالات الجغرافية والسياسية التي يتحرك ضمنها التهديد.
في هذا الإطار، تُعدّ «المنطقة العازلة» جزءاً محورياً من النهج الإسرائيلي، بوصفها خياراً استراتيجياً طويل الأمد يهدف إلى فرض واقع أمني جديد عبر أكثر من ساحة، من غزة إلى لبنان وسوريا. وقد سبق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن أعلن عن نيته إنشاء مثل هذه المناطق في لبنان وسوريا، مع الاحتفاظ بوجود عسكري ضمنها.
تستدعي هذه السياسة مقارنة بالتجربة السابقة في جنوب لبنان، حين اعتمدت إسرائيل نموذج «الحزام الأمني» حتى عام 2000. وعلى الرغم من تغيّر الأدوات العسكرية، يبقى الهدف الاستراتيجي نفسه: نقل خط الدفاع إلى الداخل اللبناني وتحويل الجنوب إلى مجال أمني خاضع لسيطرة إسرائيلية جزئية. ويبرز الفرق الجوهري في غياب وكيل محلي مثل جيش أنطوان لحد، ما يجعل أي حضور مباشر أكثر عرضة للاستنزاف وأقل استدامة من دون تكاليف مرتفعة.
ويتضمن هذا التوجه أبعاداً ديمغرافية، إذ يُمنع عودة السكان إلى مناطق جنوب الليطاني، في محاولة لتقليص البيئة الحاضنة للمقاومين. غير أن هذا الإجراء قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يعيد إنتاج البيئة المقاومة بأشكال أكثر تشدداً، خصوصاً عند فهم النزوح القسري كأداة ضغط جماعي، في حين يظل استقرار الشمال الإسرائيلي مرهوناً بعودة السكان إلى قراهم، وهو أمر غير ممكن في ظل استنفاد الوسائل الدبلوماسية اللبنانية واستمرار التدمير الميداني.
وتسعى إسرائيل لتسويق هذه الاستراتيجية عبر إبراز أهداف أمنية توحي بسيطرة دون احتلال كامل. إلا أن هذه المعادلة تحمل تناقضاً داخلياً: فالسيطرة الفعالة تتطلب حضوراً دائماً أو قدرة تدخل مستمرة، بينما غياب الاحتلال الكامل يعني غياب السيطرة السياسية والإدارية، ما يؤدي إلى فراغ بنيوي وتحويل «المنطقة العازلة» إلى مساحة غير مستقرة.
وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى تفجير جسور الليطاني على أنه إجراء لوجستي فقط، بل خطوة لإعادة تعريف دور النهر كحد فاصل أمني يعيد تنظيم المجال جنوبه ويخضعه لشروط إسرائيلية. ويتضح أن هناك أطماعاً تاريخية في مياه الليطاني، إذ تستغل إسرائيل البعد الأمني لتبرير محاولات السيطرة على الموارد، كما حصل في تجارب توسع سابقة.
وتعني إقامة منطقة عازلة تغيير قواعد الاشتباك عملياً، إذ يسعى الجيش الإسرائيلي لإلغاء خط التماس المباشر بين المقاومين ومستوطنيه، لكن ذلك يوسّع خطوط التماس ويجعل المستوطنات أهدافاً عسكرية في حال وقوع اعتداءات.
وبينما تُقدم هذه المنطقة على أنها وسيلة لتحقيق أمن كامل لمستوطنات الشمال، إلا أن طبيعة التهديدات الحديثة – من صواريخ دقيقة إلى مسيرات وأنماط تسلل محدودة – تجعل العزل الجغرافي أداة غير كافية لتحقيق الحسم. وهنا تتحول المشكلة إلى «إدارة التوقعات»، إذ يصبح أي خرق حتى لو محدوداً مؤشراً على فشل استراتيجي، ما يولد ضغوطاً داخل إسرائيل نتيجة الفجوة بين الوعود والواقع.
كما أن الفرضيات الأساسية لهذه الاستراتيجية، سواء في تقييم طبيعة الخصم أو حدود القوة العسكرية، غير دقيقة، ما يزيد احتمالات تقلبات ميدانية وسياسية قد تؤدي إلى نتائج معاكسة: إعادة إنتاج التهديد بشكل أكثر مرونة، توسيع نطاق المواجهة، وتآكل القدرة على ضبط التصعيد، وهو ما يحدّد فعالية نجاح هذا التوجه الإسرائيلي في إعادة تشكيل البيئة الأمنية جنوب لبنان.