أعلن مكتب الرئاسة الإيرانية تعيين محمد باقر ذوالقدر أميناً جديداً للمجلس الأعلى للأمن القومي، خلفاً لـ علي لاريجاني الذي قُتل في هجوم إسرائيلي بطهران في وقت سابق من الشهر الجاري، في خطوة تحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة في ظل تصاعد المواجهة الإقليمية القرار صدر بموافقة المرشد الإيراني علي خامنئي وبحكم من رئيس الجمهورية، ما يعكس أهمية الموقع ودوره المركزي في إدارة الملفات الحساسة للدولة.
ذوالقدر يُعد من أبرز الوجوه التي جمعت بين الخلفية العسكرية والخبرة المؤسسية داخل النظام الإيراني. وُلد عام 1954 في محافظة فارس، وبدأ مسيرته قبل الثورة الإيرانية 1979 من خلال الانخراط في النشاطات المناهضة لنظام الشاه، قبل أن ينتقل بعد قيام الجمهورية الإسلامية إلى العمل ضمن هياكل الدولة الجديدة حصل على تعليم أكاديمي في الاقتصاد والإدارة، وصولاً إلى درجة الدكتوراه في الإدارة الاستراتيجية، وهو ما أتاح له الجمع بين التكوين النظري والخبرة الميدانية في إدارة الملفات المعقدة.
داخل الحرس الثوري، برز اسمه خلال الحرب العراقية الإيرانية، حيث تولّى مسؤوليات تتعلق بتدريب القوات وإدارة العمليات غير النظامية، خاصة عبر قيادته لمقر "رمضان" المعني بالعمليات الخاصة خارج الجبهات التقليدية. لاحقاً، شغل مواقع قيادية متقدمة، من بينها رئاسة هيئة الأركان المشتركة للحرس الثوري ونائب القائد العام، إضافة إلى دوره في الإشراف على قوات التعبئة (الباسيج)، ما منحه حضوراً مؤثراً داخل المنظومة العسكرية.
انتقاله إلى المؤسسات المدنية عزّز موقعه داخل دوائر صنع القرار شغل منصب نائب وزير الداخلية للشؤون الأمنية، كما تولّى مهام استراتيجية داخل السلطة القضائية، شملت ملف الوقاية من الجريمة وإدارة السياسات المرتبطة بالأمن المجتمعي وفي عام 2021، جرى تعيينه أميناً لمجمع تشخيص مصلحة النظام، وهو أحد أهم المؤسسات الدستورية التي تضطلع بدور حاسم في تسوية الخلافات التشريعية ورسم التوجهات العامة للدولة.
على المستوى الدولي، ارتبط اسمه بالعقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، قبل أن يُرفع اسمه عقب توقيع الاتفاق النووي الإيراني 2015، ثم عاد إلى قوائم العقوبات بعد إعادة تفعيل آلية "سناب باك" في عام 2025، ضمن حزمة استهدفت شخصيات وكيانات مرتبطة بالبرنامجين العسكري والنووي الإيرانيين هذا المسار يوضح موقعه ضمن الدائرة المرتبطة بالملفات الحساسة التي تحظى باهتمام دولي واسع.
تولي ذوالقدر منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي يضعه في قلب عملية صنع القرار الاستراتيجي، حيث يتولى المجلس تنسيق السياسات الدفاعية والخارجية والنووية، إلى جانب إدارة الأزمات المرتبطة بالأمن القومي اختيار شخصية ذات خلفية عسكرية وأمنية بهذا الحجم يشير إلى توجه واضح نحو تعزيز البعد الأمني في إدارة المرحلة الحالية، خاصة في ظل الضغوط الخارجية والتحديات الإقليمية المتصاعدة.
كما يرتبط هذا التعيين بإعادة ترتيب داخل هرم السلطة الإيرانية، مع الدفع بشخصيات تمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات والتعامل مع بيئات الصراع المعقدة وجود ذوالقدر في هذا الموقع يعزز حضور المؤسسة العسكرية في صياغة السياسات العليا، ويمنح طهران مرونة أكبر في الربط بين القرارين السياسي والميداني، خصوصاً في ملفات مثل البرنامج النووي، والعلاقات مع القوى الإقليمية، وإدارة المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
في هذا السياق، ينظر إلى التعيين كجزء من مقاربة أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على مفاصل القرار الاستراتيجي، مع الاعتماد على شخصيات تمتلك خبرة تراكمية في العمل الأمني والعسكري هذه المقاربة تعكس إدراكاً لطبيعة المرحلة التي تتسم بتداخل الجبهات وتعدد مسارات الضغط، ما يتطلب إدارة مركزية قادرة على التنسيق بين مختلف المؤسسات.
بذلك، لا يقتصر تعيين ذوالقدر على كونه تغييراً إدارياً، فهو مؤشر على اتجاه سياسي وأمني أوسع داخل إيران، يقوم على تعزيز دور النخبة الأمنية في إدارة الدولة، وتركيز القرار في أيدي شخصيات قادرة على التعامل مع التحديات المعقدة التي تواجهها البلاد في الداخل والخارج.