خيام غزة تكشف الأسرار وتفاقم المعاناة النفسية للنازحين

2026.03.17 - 07:49
Facebook Share
طباعة

 في جنوب غزة، وتحديدًا في مخيم "دار السلام" قرب حي الزيتون، لم تعد الخيام مجرد مأوى مؤقت، بل تحولت إلى فضاءات مكتظة تتداخل فيها الأصوات والحكايات، حتى باتت الحياة اليومية أقرب إلى غرفة واحدة مفتوحة على الجميع.

هناك، يعيش خالد أبو السعيد، الذي اضطر لمغادرة منزله في حي الرمال، تاركًا خلفه حياة اعتاد تفاصيلها. كان تاجرًا يبدأ يومه في متجره وينهيه بأمل الاستمرار، أما اليوم، فيستيقظ على وقع خطوات المارة وأحاديث الجيران التي لا تفصلها جدران.

يصف حاله قائلاً إنهم ينتظرون انفراجًا ينهي هذه المرحلة القاسية، بعد أن كانوا يأملون أن تتحسن الأوضاع عقب الهدنة، لكن الواقع، بحسب تعبيره، يسير نحو مزيد من الصعوبة. وبينما ينظر إلى قطعة القماش التي تفصله عن الآخرين، يختصر المشهد بعبارة تحمل الكثير من الألم: لم يعد هناك ستر ولا مساحة للخصوصية، فكل ما يُقال يُسمع.

داخل الخيمة الصغيرة، تختلط تفاصيل الحياة اليومية بكل ما تحمله من هموم وأسرار. لم يعد هناك ما يُخفى، فالمطر يتسلل، والهواء يدخل بلا استئذان، وكذلك أصوات الآخرين ونظراتهم. ويؤكد أبو السعيد أن العودة إلى المنزل، مهما كانت التكاليف، تبقى الخيار الوحيد الذي يعيد الكرامة، حيث يمكن للإنسان أن يعيش بخصوصيته بعيدًا عن هذا الانكشاف الكامل.

وفي منطقة مواصي خان يونس، يجلس محمود سلامة أمام خيمته التي يسكنها منذ أكثر من عام بعد نزوحه من بيت حانون. يرفع نظره نحو السماء وكأنه يبحث عن مخرج، مؤكدًا أن الأمل الوحيد المتبقي لديهم هو تحسن الأوضاع.

يصف الحياة داخل المخيم بأنها مليئة بالتحديات اليومية؛ فالرطوبة تتسرب إلى الداخل، والأمطار تغمر الأرض، والحصول على الماء—سواء كان صالحًا للشرب أو لا—يتطلب جهداً كبيراً. لكن الجانب الأصعب، كما يقول، ليس فقط في الظروف المعيشية، بل في انكشاف الحياة الخاصة بالكامل.

في هذه الخيام، لا وجود لحواجز حقيقية. كل كلمة بين الزوجين، كل حديث عائلي، وحتى لحظات التعب أو المرض، تصبح مسموعة لمن حولهم. ويشير سلامة إلى أن هذا الواقع يزيد من التوتر داخل الأسرة، إذ لم يعد بالإمكان التعبير بحرية أو حتى مواساة أحد أفراد العائلة دون أن يسمع الآخرون.

من زاوية أعمق، تشرح سماح جبر، المتخصصة في الصحة النفسية، أن ما يحدث يتجاوز فقدان المأوى المادي، ليصل إلى ما يمكن وصفه بتجريد الإنسان من إحساسه الأساسي بالكرامة. وتوضح أن المنزل، في المفهوم النفسي، يمثل مساحة أمان تتيح للفرد أن يكون على طبيعته بعيدًا عن أعين الآخرين، لكن هذا الإطار انهار تمامًا في واقع الخيام.

وتشير إلى أن هذا الانكشاف المستمر يضع الأفراد، خصوصًا النساء، في حالة توتر دائم، حيث يضطررن للبقاء في حالة استعداد مستمر، دون لحظة راحة أو شعور بالأمان، وهو ما يرهق النفس والجسد معًا.

أما الرجال، فتؤكد أنهم يواجهون شعورًا قاسيًا بالعجز، نتيجة فقدانهم القدرة على حماية خصوصية أسرهم، وهو ما ينعكس سلبًا على صورتهم الذاتية ويزيد من التوتر داخل العلاقات العائلية.

الأطفال بدورهم يدفعون ثمنًا نفسيًا كبيرًا، إذ يُحرمون من المساحة الطبيعية للنمو بعيدًا عن ضغوط الكبار، ويجدون أنفسهم في مواجهة تفاصيل لا تتناسب مع أعمارهم، ما يؤدي إلى نضج مبكر ومشوّه يترك آثارًا طويلة الأمد.

وتحذر جبر من أن غياب الخصوصية لا يؤثر على الأفراد فقط، بل يمتد ليشكل بيئة اجتماعية متوترة، تزداد فيها الخلافات والعنف نتيجة الضغط المستمر، في ظل غياب أي مساحة للهدوء أو الانفصال المؤقت عن الضغوط.

وفي ختام هذا المشهد، تتقاطع شهادات النازحين مع التحليل النفسي لتؤكد حقيقة واحدة: أن الخصوصية ليست ترفًا يمكن الاستغناء عنه، بل هي عنصر أساسي في الحفاظ على الكرامة الإنسانية. وبين انتظار إعادة الإعمار وتحسن الظروف، تبقى الخيام شاهدًا يوميًا على واقع قاسٍ، حيث تنكشف الحياة بكل تفاصيلها تحت قماش لا يحجب الألم.

 

الجزيرة

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 10