بينما يتركز اهتمام المنطقة على التصريحات السياسية والتصعيد الإعلامي، تشير تحركات عسكرية متسارعة إلى أن ما يجري خلف الكواليس قد يرسم واقعا جديدا في الشرق الأوسط. فالمسألة لم تعد تقتصر على احتواء إيران أو ردعها، بل بدأت تتشكل ملامح إستراتيجية أمريكية تهدف إلى السيطرة على نقاط النفوذ الجغرافي والنفطي الحساسة، خاصة بعد الضربات العسكرية التي استهدفت جزيرة خارك الإيرانية.
وتكشف المؤشرات العسكرية عن تحركات تتجاوز العمليات الجوية المحدودة، إذ تتزامن مع إرسال قوات من مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) إلى المنطقة، إلى جانب إدخال تقنيات جديدة تعتمد على الطائرات المسيّرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، في خطوة تشير إلى توجه أمريكي لنقل المواجهة إلى العمق البحري الإيراني.
وفي ضوء هذه التطورات، يبرز عدد من الأسئلة حول طبيعة الإستراتيجية الأمريكية وما إذا كانت واشنطن تخطط فعليا لتحويل الجزر الإيرانية من أوراق ضغط بيد طهران إلى مواقع نفوذ عسكري أمريكي تؤثر في حركة الطاقة العالمية.
هل تتحول الضربات على خارك إلى سيطرة عسكرية؟
تشير التحركات العسكرية الأخيرة إلى أن خيار السيطرة على جزيرة خارك أصبح مطروحا ضمن الخيارات العملياتية التي تدرسها الإدارة الأمريكية.
ويعد هذا السيناريو تحولا كبيرا مقارنة بفكرة تعطيل الجزيرة عبر الضربات الجوية فقط، إذ إن السيطرة المباشرة عليها تعني عملياً وضع أهم مركز لتصدير النفط الإيراني تحت نفوذ عسكري أمريكي، ما يتيح الضغط على الاقتصاد الإيراني من مصدره الأساسي.
وتعززت هذه الفرضية بعد تقارير تحدثت عن نقاشات داخل الإدارة الأمريكية حول إمكانية السيطرة على الجزيرة التي تمر عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية.
ويرى العقيد المتقاعد في مشاة البحرية الأمريكية مارك كانسيان أن نشر وحدات الاستكشاف التابعة للمارينز في الشرق الأوسط يمنح واشنطن للمرة الأولى قوات برية قادرة على تنفيذ عمليات ميدانية مباشرة.
ويشير إلى أن هذه الوحدات تمتلك قدرات برمائية متقدمة وتتدرب باستمرار على عمليات السيطرة على الجزر، وهي تدريبات تجرى عادة في المحيط الهادي، ما يجعل تنفيذ عملية مماثلة في جزيرة خارك خيارا عسكريا قابلا للتطبيق.
لكن السيطرة على الجزيرة ليست عملية سهلة، فموقعها في الطرف الشمالي للخليج العربي يجعلها قريبة من الأراضي الإيرانية، كما تمتلك طهران منظومات دفاع ساحلي تتضمن صواريخ كروز وطائرات مسيرة وزوارق سريعة مسلحة يمكن أن تشكل تهديدا مباشرا لأي قوات أمريكية تحاول الاقتراب.
هل يمكن أن تتحول خارك إلى فخ عسكري؟
رغم القيمة الإستراتيجية الكبيرة للجزيرة، فإن السيطرة البرية عليها قد تكون من أخطر العمليات العسكرية المحتملة.
فالعزلة الجغرافية للجزيرة قد تجعل القوات الأمريكية المنتشرة فيها عرضة للاستهداف المباشر من الأراضي الإيرانية، الأمر الذي قد يحول الجزيرة من مكسب إستراتيجي إلى نقطة استنزاف للقوات الأمريكية.
وقد تصبح القوات البرية هدفا سهلا للصواريخ الإيرانية والطائرات المسيرة الانتحارية التي يمكن إطلاقها من البر الإيراني القريب.
ورغم عدم وجود إعلان رسمي عن نية تنفيذ عملية برية، فإن المؤشرات العسكرية تشير إلى حشد متزايد للقوات الأمريكية في المنطقة.
فقد أعلنت مصادر أمريكية أن قوة مهام مشتركة من مشاة البحرية ستنتقل من قاعدة أوكيناوا في اليابان إلى الشرق الأوسط على متن سفن تابعة للبحرية الأمريكية.
وتضم هذه القوة مركبات إنزال برمائية ومروحيات وطائرات مقاتلة من طراز “إف-35”، إلى جانب كتيبة مشاة تضم نحو 800 جندي من المارينز.
كما تتكون وحدة الاستكشاف البحرية من أكثر من 2200 جندي مارينز، يرافقهم ما يزيد على 2000 فرد من القوات البحرية موزعين على متن السفينة “يو إس إس تريبولي” وسفينتين حربيتين أخريين.
ويرى بعض الخبراء أن طهران قد تنظر إلى هذا الحشد العسكري بطريقة مختلفة، إذ قد تعتبر اقتراب القوات الأمريكية من سواحلها فرصة لإدخالها في مواجهة مباشرة داخل نطاق الدفاعات الإيرانية.
دور الذكاء الاصطناعي في المواجهة
تتزامن التحركات العسكرية مع إدخال عنصر جديد في المعركة يتمثل في الطائرات المسيرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ويشير الخبير العسكري نضال أبو زيد إلى أن هذا التطور يمثل تحولا في طبيعة القتال من الأساليب التقليدية إلى نمط جديد يعتمد على التقنيات غير التقليدية.
ويشرح أن وصول مسيرات من طراز “ملوبس” بالتزامن مع انتشار قوات المارينز يهدف إلى إنشاء معادلة عملياتية مختلفة.
وتتمثل أهمية هذه الطائرات في قدرتها على اعتراض الطائرات المسيرة الإيرانية بشكل ذاتي باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يحقق هدفين رئيسيين.
الأول هو الحفاظ على مخزون منظومات الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية مرتفعة الكلفة، من خلال عدم استخدامها ضد أهداف منخفضة التكلفة مثل المسيرات الصغيرة.
أما الهدف الثاني فيتمثل في تقليل الخسائر البشرية والمادية عبر الاعتماد على أنظمة اعتراض آلية توفر حماية للقوات البرية أثناء تنفيذ عملياتها.
هل خارك مجرد بداية لخطة أوسع؟
يرى بعض المحللين أن جزيرة خارك قد لا تكون سوى المرحلة الأولى ضمن خطة أوسع تستهدف تعزيز السيطرة على مضيق هرمز.
وتشير بعض التقديرات إلى أن الاهتمام الأمريكي قد يمتد إلى أهداف إستراتيجية أخرى مثل جزيرة كيش وميناء بندر عباس.
ويعد بندر عباس مركزا رئيسيا للقوات البحرية الإيرانية، والسيطرة عليه أو تحييده عسكريا قد يؤدي إلى تقليص قدرة إيران على تهديد حركة الملاحة الدولية.
أما جزيرة كيش فتمثل نقطة مهمة لمراقبة مضيق هرمز، إذ يمكن من خلالها متابعة حركة السفن وتأمين الممرات البحرية.
هل نحن أمام مواجهة مباشرة؟
تشير هذه التحركات إلى أن ما يجري قد يكون جزءا من إستراتيجية عسكرية تعرف باسم العمليات الاستكشافية المتقدمة.
وتقوم هذه العقيدة على نشر قواعد عسكرية صغيرة ومؤقتة على الجزر أو السواحل، بحيث تستخدم لدعم العمليات البحرية والسيطرة على المناطق المحيطة بها.
وفي حالة الخليج، يمكن أن يؤدي نشر وحدات استطلاع بحرية قرب جزيرة خارك أو مضيق هرمز إلى تمكين القوات الأمريكية من تقييم التهديدات الإيرانية والسيطرة على نقاط بحرية حساسة.
وتعتمد هذه العمليات على قوات بحرية مرنة ذات بصمة منخفضة يصعب رصدها، وتنتشر انطلاقا من مواقع مؤقتة في مناطق بحرية متنازع عليها.
وتهدف هذه الإستراتيجية إلى تنفيذ مهام مثل فرض الحظر البحري أو دعم السيطرة على الممرات البحرية الحيوية.
في المحصلة، تشير المؤشرات العسكرية إلى أن المنطقة قد تكون أمام تحول كبير في طبيعة الصراع، حيث تراهن واشنطن على التفوق التكنولوجي والسرعة العملياتية لفرض واقع جديد في الخليج.
ويعتقد بعض المحللين أن الرسالة الأمريكية واضحة: إما قبول ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، أو مواجهة تصعيد قد يتجاوز نمط الحروب التقليدية.