الاقتصاد السوري هش أمام تداعيات الحرب الإيرانية

2026.03.14 - 10:04
Facebook Share
طباعة

 انعكست الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية بسرعة على الأسواق السورية، مع ارتفاع ملحوظ في أسعار معظم السلع الغذائية والاستهلاكية والمواد الأساسية. هذا الوضع جاء في وقت يعاني فيه السكان أصلا من ضعف السيولة وتراجع القدرة الشرائية، مما عمّق الضغوط المعيشية على الأسر.

في أسواق دمشق، كانت آثار التصعيد واضحة على أسعار المواد الغذائية، من اللحوم والدجاج إلى الزيت والخضار والمعلبات. وأوضح مازن بيرقدار، متقاعد من القطاع العام (64 عاما)، أن تأثير الحرب شمل جميع الأصناف الأساسية، بما في ذلك الغاز المنزلي والمازوت، مشيرا إلى أن السكان يفتقرون إلى سيولة كافية، وأن قدرتهم الشرائية تتراجع باستمرار، لتتجه الأوضاع الاقتصادية "من سيئ إلى أسوأ".

وأثناء جولة ميدانية، رصدت الجزيرة ارتفاعات متفاوتة في أسعار السلع، إذ قدر تاجر المواد الغذائية في سوق سريجة بدمشق، عماد الدين علايا، أن الأسعار ارتفعت بنسبة 10% إلى 50% منذ بداية الحرب في فبراير/شباط الماضي. وارتفع سعر كيلو صدور الدجاج من 350 ليرة (3.18 دولار) إلى 550 ليرة (5 دولارات)، وسعر كيلو لحم الخاروف من 1600 ليرة (14.55 دولار) إلى 2500 ليرة (22.73 دولار)، بينما صعد سعر كيلو الطماطم والكوسا إلى 150 ليرة (1.36 دولار).

ويرى علايا أن هذه القفزات مرتبطة بالوضع السياسي العام في المنطقة، وليس باحتكار أو نقص مباشر في المعروض. بينما يضيف التاجر عدنان جناب، في سوق الميدان بدمشق، أن زيادة تصدير بعض المحاصيل والبضائع المحلية إلى دول الجوار، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن، ساهمت في نقص الكميات المتاحة محليًا.

ولا تقتصر الضغوط على الأسعار، إذ يشير الموظف المتقاعد علي محفوظ إلى نقص في المواد الأساسية، خصوصا الغاز المنزلي، ما زاد المتاعب اليومية للأسر. ويضيف أن إعداد وجبة غداء بسيطة أصبح يحتاج إلى نحو 100 ألف ليرة قديمة (9 دولارات)، مقارنة براتب سابق كان يبلغ 300 ألف ليرة قديمة (~15 دولارا). حتى بعض النباتات البرية الرخيصة، مثل "الخبيزة"، ارتفع سعرها إلى 10 آلاف ليرة.

وتشير سمر منذر (42 عاما) إلى أن هذه الارتفاعات أشد تأثيرا مقارنة بموجات الغلاء المعتادة مع اقتراب شهر رمضان، نظرا لتآكل الدخول. كما أصبح العديد من الأطباق التقليدية التي اعتادت الأسر الدمشقية إعدادها خلال الشهر الفضيل خارج متناول شريحة واسعة من الأسر، سواء لتحضيرها منزليا أو لدعوة الأقارب. وترفض سمر فكرة أن معظم الأسر السورية تتلقى دعما ماليا من الخارج، مؤكدة أن الغالبية تعتمد على رواتب محلية محدودة، معربة عن أملها في تدخل الحكومة لمعالجة الأزمة، لكنها ترى أن الجهات المعنية لم تدرك بعد حجم الضغوط المعيشية الحقيقية.

ويقول الخبير الاقتصادي إبراهيم قوشجي إن سوريا ليست بمنأى عن التوترات الإقليمية، إذ دخلت البلاد عام 2026 تحت تأثير مباشر للصراع المتوسع بين قوى إقليمية ودولية، ما انعكس بسرعة على الأسواق والمعيشة. ويضيف أن ارتباك الأسعار، وتراجع المعروض من بعض السلع، وارتفاع التضخم ترافق مع ضغوط على الليرة السورية نتيجة تراجع التحويلات الخارجية وزيادة الطلب على العملات الأجنبية، ما أبطأ الحركة التجارية بانتظار وضوح مسار الأحداث.

ويحذر قوشجي من أن المخاطر تمتد إلى المدى المتوسط، مع احتمال تعطّل سلاسل التوريد بسبب تأثر الموانئ وطرق التجارة البرية، ما يزيد تكاليف الشحن والتأمين ويؤخر وصول الإمدادات. وإذا استمر التصعيد، فقد تتفاقم المخاطر على الاستثمار ورؤوس الأموال، ما يفتح الباب أمام ركود تضخمي طويل الأمد وهجرة إضافية للكفاءات.

وبالنسبة للأمن الغذائي، يشير قوشجي إلى أن جهود زيادة إنتاج القمح المحلي إلى نحو 3 ملايين طن توفر حماية مؤقتة، لكنها لا تلغي الحاجة للاستيراد لتغطية الطلب. وفي قطاع الطاقة، الإنتاج المحلي يقل عن 15 ألف برميل يوميا، بينما الحاجة الفعلية تتجاوز 120 ألف برميل، مما يجعل سوريا معتمدة بدرجة كبيرة على الواردات، وأي اضطراب في خطوط الإمداد يمثل تهديدا مباشرا للنقل والتدفئة والصناعة.

ويخلص قوشجي إلى أن الاقتصاد السوري يعيش مرحلة "إدارة أزمات" أكثر من كونه في مسار تعاف، حيث تحاول الحكومة التعامل مع الضغوط بموارد محدودة، فيما يظل تحقيق استقرار اقتصادي حقيقي مرهونا بتهدئة سياسية أوسع في المنطقة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 4