ماذا ينتظر الأسواق بعد تفعيل القوة القاهرة؟

2026.03.11 - 02:48
Facebook Share
طباعة

تثير حالة القوة القاهرة قلقًا واسعًا في الأسواق العالمية كلما ظهرت في عقود الطاقة أو التجارة الدولية، إذ تعني عمليًا توقف تنفيذ التزامات تعاقدية نتيجة ظروف قاهرة خارجة عن السيطرة ويُستخدم هذا المفهوم القانوني عندما تتعرض الشركات أو الدول لحدث مفاجئ يجعل تنفيذ العقد مستحيلاً أو بالغ الصعوبة، مثل الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الاضطرابات الكبرى.
تحظى هذه الآلية القانونية بمكانة مهمة في العقود طويلة الأمد، خاصة في قطاع النفط والغاز، حيث ترتبط عمليات الإنتاج والنقل والتصدير بسلاسل إمداد معقدة تمتد عبر عدة دول وموانئ ومضائق بحرية. وفي مثل هذه الظروف تسمح القوة القاهرة بتعليق تنفيذ الالتزامات التعاقدية مؤقتًا دون فرض غرامات مالية على الطرف المتضرر.
الإطار القانوني للقوة القاهرة:
تندرج ضمن المبادئ المعترف بها في القوانين التجارية الدولية، كما تتضمنها العديد من الاتفاقيات والمعاهدات التي تنظم التجارة العالمية ومن أبرز المرجعيات القانونية اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع، واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، إضافة إلى القواعد التي وضعتها غرفة التجارة الدولية لتنظيم العقود التجارية العابرة للحدود.
وتنص المادة 79 من اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع على إعفاء الطرف المتعاقد من المسؤولية إذا أثبت أن عدم تنفيذ التزاماته ناتج عن عائق خارج عن إرادته ولم يكن بالإمكان توقعه عند توقيع العقد، كما يتعذر تجنب آثاره أو التغلب عليها.
شروط تفعيلها:
يتطلب تفعيل بند القوة القاهرة توفر مجموعة من المعايير القانونية الأساسية ويتمثل الشرط الأول في أن يكون الحدث خارج سيطرة الطرف المتعاقد، بحيث لا يستطيع منعه أو التحكم فيه ويتعلق الشرط الثاني بكون الحدث غير متوقع عند توقيع العقد أو عند الاتفاق على الالتزامات التعاقدية أما الشرط الثالث فيتمثل في أن يؤدي الحدث إلى استحالة تنفيذ العقد من الناحية العملية أو الفنية.
وعند تحقق هذه الشروط يمكن للطرف المتضرر تعليق تنفيذ التزاماته مؤقتًا دون أن يُعد ذلك إخلالًا بالعقد وقد تشمل الإجراءات المرتبطة بتفعيل القوة القاهرة تأجيل مواعيد التسليم أو تقليص الكميات المتفق عليها أو تعليق بعض الالتزامات حتى انتهاء الظروف الاستثنائية.
الجذور التاريخية للمفهوم:
تعود جذور مفهوم القوة القاهرة إلى القانون الروماني القديم، حيث استخدم الرومان مصطلح Vis Maior الذي يعني "القوة الكبرى" أو "القوة التي لا يمكن مقاومتها" وكان المصطلح يُستخدم لوصف الأضرار الناتجة عن أحداث طبيعية لا يمكن تفاديها مثل الزلازل والفيضانات.
وفي مطلع القرن التاسع عشر أدخل القانون المدني الفرنسي مصطلح Force Majeure ضمن تشريعاته القانونية في إطار قانون نابليون، ثم توسع المفهوم لاحقًا ليشمل الحروب والنزاعات المسلحة والإضرابات والهجمات الإرهابية، إضافة إلى الكوارث الطبيعية.
محطات بارزة لتفعيل القوة القاهرة عالميًا:
شهدت العقود التجارية الدولية خلال العقود الأخيرة عدة حالات بارزة لتفعيل القوة القاهرة نتيجة أزمات عالمية أو صراعات سياسية.
خلال جائحة كوفيد-19 التي بدأت في أواخر عام 2019 أعلنت آلاف الشركات حول العالم تفعيل القوة القاهرة نتيجة تعطّل سلاسل الإمداد العالمية وإغلاق المصانع وتعليق حركة النقل الدولي كما أصدرت هيئة تنمية التجارة الدولية الصينية آلاف شهادات القوة القاهرة للشركات المتضررة بهدف حمايتها من الغرامات التعاقدية.
وفي عام 2020 أصدرت غرفة التجارة الدولية نماذج جديدة لبنود القوة القاهرة لتوضيح آليات تطبيقها في العقود التجارية الدولية بعد موجة النزاعات القانونية التي ظهرت خلال الجائحة.
في أغسطس 2024 أعلنت الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب حالة القوة القاهرة على قطاع النفط بالكامل، ما أدى إلى توقف الإنتاج والتصدير من عدة حقول وموانئ. وشمل القرار حقل الفيل النفطي الذي يبلغ إنتاجه نحو 125 ألف برميل يوميًا.
كما أعلنت الخرطوم في مارس 2024 حالة القوة القاهرة بعد توقف خط الأنابيب الذي ينقل نفط جنوب السودان عبر الأراضي السودانية نتيجة الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع واستمر تعليق تشغيل الخط حتى يناير 2025 بعد التوصل إلى ترتيبات أمنية سمحت باستئناف تدفق النفط.
الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية:
مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في 28 فبراير 2026 عاد مصطلح القوة القاهرة إلى واجهة المشهد الاقتصادي العالمي، خصوصًا في قطاع الطاقة.
في 4 مارس 2026 أعلنت شركة قطر للطاقة إبلاغ عملائها بتفعيل القوة القاهرة بعد تعرض مرافق الغاز الطبيعي المسال في مدينتي رأس لفان ومسيعيد الصناعيتين لهجوم عسكري أدى إلى توقف الإنتاج مؤقتًا.
وفي 7 مارس 2026 أعلنت مؤسسة البترول الكويتية تفعيل القوة القاهرة على بعض مبيعات النفط الخام نتيجة اضطراب حركة الشحن في مضيق هرمز، مع خفض الإنتاج بنحو 100 ألف برميل يوميًا.
كما أشارت شركة بابكو إنرجيز البحرينية في 9 مارس 2026 إلى تفعيل القوة القاهرة عقب هجوم استهدف مجمع تكرير النفط التابع لها.
انعكاسات مباشرة على الأسواق العالمية:
أدى إعلان القوة القاهرة في عدد من منشآت الطاقة الخليجية إلى اضطراب سريع في الأسواق العالمية فقد ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا بنحو 40% بعد توقف بعض الإمدادات، بينما سجلت الأسواق الأوروبية زيادة تجاوزت 30% خلال يوم واحد.
وتتزايد المخاوف في أسواق الطاقة من اتساع نطاق إعلان القوة القاهرة ليشمل مزيدًا من الدول المصدّرة في الخليج، وهو ما قد يؤدي إلى اضطراب واسع في الإمدادات العالمية.
ووفق تقديرات في قطاع الطاقة، فإن توسع هذه الإجراءات قد يدفع أسعار النفط إلى مستويات تقارب 150 دولارًا للبرميل، وهو مستوى كفيل بإحداث تأثيرات عميقة على الاقتصاد العالمي وأسواق النقل والصناعة وسلاسل الإمداد الدولية. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 4