موسكو تراقب حرب إيران بحذر وتترقب المكاسب

2026.03.11 - 08:05
Facebook Share
طباعة

 في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لا تزال جبهات القتال بين روسيا وأوكرانيا تشهد تصعيداً مستمراً، وإن كانت بعض المؤشرات توحي بتباطؤ نسبي في وتيرة التقدم العسكري الروسي.

ففي بداية الشهر الجاري تمكنت القوات الروسية من السيطرة على نحو 46 ميلاً مربعاً إضافياً من الأراضي الأوكرانية، وهو رقم يقل بحوالي ثلاثة أضعاف عن المساحات التي سيطرت عليها خلال الشهر السابق. ويرى مراقبون روس أن هذا التراجع النسبي قد يكون مرتبطاً بحالة الترقب التي تسيطر على المشهد الدولي مع تطورات الحرب في الشرق الأوسط.

موقف روسي بين التصعيد الدبلوماسي والحياد العسكري

حتى الآن، اتسمت سياسة موسكو تجاه الحرب على إيران بموقف مزدوج: خطاب دبلوماسي حاد ضد واشنطن، يقابله في الوقت نفسه تحفظ واضح على أي تدخل عسكري مباشر إلى جانب طهران.

فقد وصفت وزارة الخارجية الروسية الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت إيران في 28 فبراير/شباط الماضي بأنها "عمل عدواني مسلح متعمد وغير مبرر"، معتبرة أنها تشكل انتهاكاً للقانون الدولي.

كما أعدت موسكو مشروع قرار في مجلس الأمن يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى حل سياسي ودبلوماسي للأزمة.

وفي سياق متصل، أعربت روسيا عن قلقها من الهجمات التي طالت البنية التحتية النووية الإيرانية، معتبرة أن مثل هذه الضربات قد تقوض نظام عدم الانتشار النووي.

لكن رغم هذه المواقف، تؤكد موسكو أنها لن تتدخل عسكرياً في الصراع. وقد أعلن مجلس الدوما الروسي أن روسيا لا تخطط لإرسال قوات للدفاع عن إيران، رغم وجود معاهدة دفاع مشترك بين البلدين.

تداعيات الحرب على الصراع مع أوكرانيا

يرى بعض المحللين أن الحرب في الشرق الأوسط قد تحمل انعكاسات مهمة على المواجهة المستمرة بين روسيا والغرب في أوكرانيا.

فوفق تقديرات عدد من الخبراء، قد يؤدي انشغال الولايات المتحدة بالصراع مع إيران إلى إعادة توزيع الموارد العسكرية الغربية، وهو ما قد ينعكس سلباً على حجم الدعم العسكري الذي تحصل عليه كييف.

ويعتقد الباحث في مركز دراسات النزاعات الدولية، فيودور كوزمين، أن مصلحة روسيا قد تتحقق – بشكل غير مباشر – في حال واجهت الولايات المتحدة صعوبات أو إخفاقات في حربها مع إيران.

ويشير كوزمين إلى أن صناع القرار في موسكو يعتقدون أن واشنطن تفتقر إلى استراتيجية طويلة الأمد واضحة في هذه الحرب، وهو ما قد يؤدي إلى تورطها في صراع مكلف.

كما يرى أن الرهان الأمريكي على حرب خاطفة مدعومة باضطرابات داخلية في إيران لم يحقق النتائج التي كانت متوقعة، الأمر الذي قد يفرض على الإدارة الأمريكية زيادة إنفاقها العسكري لتأمين استمرار العمليات.

استنزاف محتمل للترسانة الأمريكية

بحسب تقديرات كوزمين، قد تضطر الولايات المتحدة إلى استخدام كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية المتقدمة لمواجهة الصواريخ الباليستية الإيرانية.

وتبلغ تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد نحو 4 ملايين دولار، وهو ما قد يؤدي إلى استنزاف سريع للترسانة الأمريكية في حال استمرار الحرب لفترة طويلة.

ويرى أن هذا الوضع قد يؤدي إلى تراجع الدعم العسكري المباشر لأوكرانيا، مع نقل جزء أكبر من مسؤولية دعم كييف إلى الدول الأوروبية.

لكن هذه الدول، وفق تقديره، قد تجد صعوبة في توفير الدعم نفسه بسبب الانعكاسات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط.

تحديات لوجستية للحملة العسكرية

إضافة إلى ذلك، يعتقد بعض المحللين أن العمليات العسكرية ضد إيران تواجه تحديات لوجستية كبيرة بسبب المسافات الطويلة.

فحتى في حال استخدام قواعد عسكرية في أوروبا، قد يتطلب نقل القوات أو المعدات الالتفاف حول القارة الأفريقية للوصول إلى إيران، وهو ما يزيد من تكاليف العمليات العسكرية ويضع ضغوطاً إضافية على الموارد الغربية.

كما أن هيمنة الحرب في الشرق الأوسط على اهتمام وسائل الإعلام الدولية قد تمنح روسيا فرصة لزيادة عملياتها العسكرية في أوكرانيا بعيداً عن التركيز الإعلامي العالمي.

ويرى بعض المراقبين أن الخلافات المحتملة بين الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية بشأن شرعية الضربات على إيران قد تؤدي أيضاً إلى إضعاف التماسك داخل التحالف الغربي الداعم لأوكرانيا.

مكاسب اقتصادية محتملة لروسيا

إلى جانب الأبعاد العسكرية والسياسية، قد تحقق روسيا أيضاً مكاسب اقتصادية من الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، خصوصاً في قطاع الطاقة.

ويشير الخبير الاقتصادي فيكتور لاشوف إلى أن أسعار النفط شهدت ارتفاعاً ملحوظاً عقب الضربات التي استهدفت إيران.

فقد ارتفع سعر خام برنت إلى نحو 84 دولاراً للبرميل، في حين تجاوز سعر خام الأورال الروسي مستوى 70 دولاراً للبرميل.

وهذا السعر أعلى بكثير من السعر المعتمد في الميزانية الروسية البالغ 59 دولاراً للبرميل، مما يوفر للحكومة الروسية موارد مالية إضافية يمكن توجيهها لدعم المجهود الحربي في أوكرانيا.

تغيّر في تسعير النفط الروسي

ويضيف لاشوف أن روسيا كانت في السابق تبيع نفطها بخصم يتراوح بين 10 و13 دولاراً عن السعر العالمي بسبب العقوبات الغربية.

لكن مع اضطراب الإمدادات العالمية نتيجة الحرب، بدأت موسكو تحقق زيادة تتراوح بين 4 و5 دولارات فوق سعر السوق في بعض الصفقات.

فرص إضافية في سوق الطاقة والسلاح

كما قد تستفيد روسيا من الحرب عبر زيادة التعاون العسكري التقني مع إيران، ما قد يرفع من مبيعات الأسلحة الروسية ويوفر دخلاً إضافياً لقطاع الصناعات الدفاعية.

إضافة إلى ذلك، قد يؤدي أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز إلى تقليص قدرة إيران على تصدير النفط، وهو ما قد يمنح روسيا دوراً أكبر كمصدر رئيسي للطاقة لبعض الدول التي تبحث عن بدائل في الأسواق غير الرسمية.

خلاصة المشهد

رغم أن روسيا تتخذ موقفاً حذراً في الحرب الأمريكية الإيرانية، فإن تطورات هذا الصراع قد تمنح موسكو فرصاً سياسية وعسكرية واقتصادية غير مباشرة.

فانشغال الولايات المتحدة في جبهة جديدة، وارتفاع أسعار الطاقة، واحتمال تراجع الدعم الغربي لأوكرانيا، كلها عوامل قد تخلق بيئة أكثر ملاءمة للكرملين في صراعه المستمر مع الغرب.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 8