انفلات استيطاني متصاعد في الضفة الغربية

2026.03.10 - 08:44
Facebook Share
طباعة

 لم يكن سكان إحدى القرى الفلسطينية في الضفة الغربية يتوقعون أن يشهدوا هذا العدد الكبير من المستوطنين المسلحين وهم يهاجمون قريتهم دفعة واحدة. فقد كانت تلك المرة الأولى التي يواجه فيها الأهالي هجوماً بهذا الحجم في قرية دير أبو فلاح الواقعة شمال شرق مدينة رام الله.

وبحسب روايات الأهالي، فإن اعتداءات المستوطنين ليست جديدة على القرية، لكنها هذه المرة كانت الأوسع والأكثر عنفاً. ويقول سكان محليون إن الهجوم كان يمكن أن يؤدي إلى مجزرة في القرية لو لم يتحرك الأهالي سريعاً لصد المهاجمين ومنعهم من التوغل داخل الأحياء السكنية.

بداية الهجوم

وقعت أحداث الهجوم في الساعات الأخيرة من مساء يوم السبت، عندما لاحظ عدد من شبان القرية تحركات غير اعتيادية لمجموعات من المستوطنين على أطرافها.

وبمجرد رصد هذه التحركات، قام الشبان بإرسال تنبيهات عبر مجموعات التواصل الإلكترونية الخاصة بالأهالي، وهي آلية باتت تُستخدم في كثير من القرى الفلسطينية لتنبيه السكان بسرعة عند وقوع هجمات للمستوطنين.

ومع انتشار التنبيه، بدأ الأهالي بالتجمع في محاولة لصد الاقتحام المتوقع قبل وصول المستوطنين إلى داخل القرية.

مواجهة الأهالي للهجوم

وبعد انتشار التحذيرات، توجه عدد من سكان القرية إلى المسجد الرئيسي حيث جرى استخدام مكبرات الصوت لدعوة الأهالي إلى التجمع والتوجه إلى موقع التحركات المشبوهة.

لكن ما فوجئ به السكان هذه المرة كان مختلفاً عما اعتادوا عليه في الاعتداءات السابقة. فقد وصل إلى أطراف القرية نحو 100 مستوطن تجمعوا من عدة مستوطنات قريبة، وانطلقوا من بؤرة استيطانية جديدة أقيمت مؤخراً على أراضي القرية.

وسرعان ما اندلعت مواجهات بالحجارة بين الأهالي والمستوطنين، حيث حاول سكان القرية منع تقدمهم نحو المنازل.

وبالفعل تمكن الأهالي من إيقاف تقدم المستوطنين لبضع دقائق، قبل أن تصل مركبة تابعة للمستوطنين إلى المكان.

إطلاق النار وسقوط الضحايا

بعد لحظات من وصول المركبة، دوّت أصوات إطلاق نار في المكان.

وأسفر إطلاق النار عن إصابة مواطنين في رأسيهما إصابات مباشرة أدت إلى استشهادهما على الفور، بينما أصيب خمسة أشخاص آخرين بجروح متفاوتة.

وبعد وقت قصير من وقوع الحادث، وصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى المنطقة، لكنها لم تتدخل لوقف هجوم المستوطنين، بل قامت بتفريق الأهالي بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع.

وأدى إطلاق الغاز إلى وقوع حالات اختناق بين السكان، حيث استشهد فلسطيني ثالث متأثراً بإصابته بالاختناق.

تصاعد الاعتداءات بعد الحرب على إيران

وقعت هذه الأحداث بعد ساعات قليلة فقط من إعلان استشهاد شاب فلسطيني يبلغ من العمر 27 عاماً برصاص مستوطنين قرب مستوطنة سوسيا المقامة على أراضٍ فلسطينية في منطقة واد الرخيم بمسافر يطا جنوب الضفة الغربية.

ففي يوم السبت 7 مارس/آذار 2026 اقتحم نحو عشرة مستوطنين مساكن الشاب وعائلته واعتدوا عليهم بالضرب.

وخلال الاعتداء وصلت مركبة دفع رباعي، نزل منها مستوطن يرتدي زياً عسكرياً يشبه زي جيش الاحتلال الإسرائيلي، وبدأ بإطلاق النار بشكل مباشر نحو العائلة.

وأدى إطلاق النار إلى إصابته برصاصة قاتلة في الرأس، بينما أصيب شقيقه برصاصة أخرى في البطن.

ورغم أن إطلاق النار من قبل المستوطنين تجاه الفلسطينيين ليس أمراً جديداً، فإن مراقبين يشيرون إلى أن وتيرة هذه الاعتداءات ارتفعت بشكل ملحوظ منذ بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي.

ارتفاع عدد الضحايا

ففي 2 مارس/آذار قُتل فلسطينيان شقيقان في قرية قريوت جنوب مدينة نابلس إثر هجوم مماثل نفذه مستوطنون.

وبذلك ارتفع عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا خلال الأسبوع الأول من الحرب إلى ثمانية قتلى، وهو رقم غير مسبوق خلال فترة زمنية قصيرة.

ويرى مراقبون أن هذه الزيادة تعكس تصعيداً واضحاً في مستوى العنف الاستيطاني في الضفة الغربية.

صلاحيات مفتوحة للمستوطنين

تشير تقديرات محلية إلى أن المستوطنين استغلوا انشغال العالم بالحرب الإقليمية لتكثيف هجماتهم في الضفة الغربية.

ويرى محللون أن المستوطنين منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 يعملون على تنفيذ مخططاتهم التوسعية على الأرض من خلال تصعيد الاعتداءات المنظمة ضد الفلسطينيين.

لكن التطور الأخطر في الفترة الأخيرة يتمثل في ارتفاع عدد الضحايا الفلسطينيين، حيث أصبحت هذه الاعتداءات تؤدي بشكل متكرر إلى سقوط قتلى.

ويرى مراقبون أن المستوطنين باتوا يتمتعون بصلاحيات شبه مفتوحة على الأرض، مما يسمح لهم بالسيطرة على مساحات واسعة من الضفة الغربية وملاحقة الفلسطينيين الذين يحاولون منع توسع الاستيطان.

التهجير القسري للفلسطينيين

ويشير محللون إلى أن أحد أبرز أهداف هذه الاعتداءات يتمثل في دفع الفلسطينيين إلى ترك أراضيهم، وهو ما يعرف بسياسة التهجير القسري.

فخلال السنوات الأخيرة تمكن المستوطنون من تفريغ أجزاء واسعة من المناطق المصنفة "ج" من التجمعات البدوية، وهي المناطق التي تشكل نحو 61% من مساحة الضفة الغربية.

وتشير بيانات موثقة إلى أنه منذ بداية عام 2026 وحتى 18 فبراير/شباط الماضي، تم تهجير نحو 700 فلسطيني من تسعة تجمعات سكانية بسبب هجمات المستوطنين.

ومن بين هؤلاء نحو 600 شخص تم تهجيرهم من تجمع رأس عين العوجا البدوي في محافظة أريحا.

ويرى مراقبون أن هذه الأرقام تمثل أعلى معدلات تهجير تسجل في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب على غزة قبل أكثر من عامين.

عشرات الاعتداءات خلال أسبوع

وفي السياق نفسه، وثّقت مؤسسات حقوقية فلسطينية 86 اعتداءً نفذه مستوطنون خلال الفترة بين 16 و23 فبراير/شباط الماضي.

وشملت هذه الاعتداءات 60 تجمعاً فلسطينياً وأسفرت عن:

تهجير 186 شخصاً

إصابة 64 فلسطينياً بعضهم بالرصاص

إحراق 39 مركبة

اقتلاع 800 شجرة زيتون

كما تضمنت الاعتداءات اعتداءات جسدية ومنع رعاة الأغنام من الوصول إلى أراضيهم.

وبحسب تقديرات محلية، فقد ارتفعت هذه الاعتداءات بنسبة 25% خلال الأيام الأولى من الحرب على إيران.

توسع الاستيطان نحو القرى

بعد سيطرة المستوطنين على معظم الأراضي المصنفة "ج"، تشير تقديرات إلى أنهم بدأوا بالانتقال إلى المرحلة التالية من التوسع.

وتتمثل هذه المرحلة في التوسع نحو المناطق المصنفة "ب"، وهي مناطق تخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية وتشكل نحو 23.7% من مساحة الضفة الغربية.

ويعني ذلك عملياً انتقال الهجمات الاستيطانية تدريجياً إلى داخل القرى والتجمعات السكنية الفلسطينية.

وفي حالة قرية دير أبو فلاح، يؤكد الأهالي أن المستوطنين الذين نفذوا الهجوم انطلقوا من بؤرة استيطانية أقيمت في منطقة مصنفة "ج" قريبة من القرية.

لجان الحراسة الشعبية

في ظل تصاعد هذه الاعتداءات، يعتمد كثير من القرى الفلسطينية على ما يعرف بـ لجان الحراسة الليلية.

وتتكون هذه اللجان من متطوعين من سكان القرى يقومون بتنظيم مناوبات ليلية لمراقبة تحركات المستوطنين.

وعند رصد أي تحرك مشبوه، يتم تنبيه الأهالي بسرعة عبر الهواتف ومجموعات التواصل الاجتماعي.

وغالباً ما يواجه الأهالي الهجمات بالحجارة أو العصي أو من خلال التجمع بأعداد كبيرة لمنع المستوطنين من دخول القرى.

ورغم أن قوات الاحتلال تلاحق هذه اللجان وتعتبرها نشاطاً غير قانوني، إضافة إلى ضعف الدعم الرسمي لها، فإنها تبقى بالنسبة لكثير من القرى الوسيلة الوحيدة المتاحة لحماية التجمعات السكنية من الاعتداءات المتكررة.

ويرى مراقبون أن المرحلة الحالية تتطلب تطوير عمل هذه اللجان وتنظيمها بشكل أفضل، لأن استمرار الاعتداءات دون وجود تنظيم فعال قد يؤدي إلى ارتفاع الخسائر البشرية بين الفلسطينيين، وهي خسائر أصبحت في الفترة الأخيرة تأخذ شكل سقوط شهداء خلال المواجهات.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 6