تحليل أمريكي: حرب إيران تضعف واشنطن عالمياً تدريجياً

2026.03.10 - 07:54
Facebook Share
طباعة

 يرى المؤرخ العسكري الأمريكي والكاتب ماكس بوت أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على إيران، رغم ما قد تحققه من أهداف عسكرية مباشرة، لا تعني بالضرورة تحقيق مكاسب استراتيجية لواشنطن. بل على العكس، قد تكون لها انعكاسات سلبية على موقع الولايات المتحدة في التوازنات الدولية، في وقت يتصاعد فيه التنافس العالمي بين القوى الكبرى.

وفي مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست، يوضح بوت أن الهدف الأساسي للولايات المتحدة من هذه الحرب يتمثل في محاولة تدمير البرنامج النووي الإيراني وتقليص قدرات طهران في مجال الصواريخ الباليستية. غير أن التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية للحرب قد تؤدي إلى نتائج معاكسة لمصالح واشنطن.

ومن أبرز هذه التداعيات ارتفاع أسعار النفط العالمية، وهو أمر قد ينعكس إيجابياً على روسيا التي تعتمد بشكل كبير على عائدات الطاقة لتمويل اقتصادها وقدراتها العسكرية. كما أن قرار الإدارة الأمريكية بتخفيف بعض القيود المفروضة على روسيا يمكن أن يساهم في تعزيز القدرات العسكرية لموسكو في وقت تخوض فيه مواجهة طويلة الأمد مع الغرب.

إلى جانب ذلك، يشير الكاتب إلى أن استهلاك الولايات المتحدة لكميات كبيرة من صواريخ الدفاع الجوي خلال هذه الحرب سيؤدي إلى تقليص الموارد العسكرية المتاحة لدعم أوكرانيا في حربها المستمرة ضد روسيا. وهذا بدوره قد يضعف موقف كييف في ساحة المعركة ويمنح موسكو هامشاً أكبر للمناورة.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أصبحت خلال السنوات الأخيرة أكثر استقلالاً في مجال الطاقة، فإن إدارة الرئيس دونالد ترمب استخدمت هذا العامل كأحد المبررات لشن الهجمات على إيران. فقد صرح وزير الداخلية الأمريكي دوغ بورغوم قبل عدة أشهر بأن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد على النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز، وهو ما يمنح واشنطن – بحسب رأيه – حرية أكبر في استخدام القوة العسكرية دون القلق من تأثير ذلك على أسعار الوقود.

إلا أن الواقع الاقتصادي يشير إلى صورة مختلفة؛ إذ ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنسبة بلغت 14% خلال الأسبوع الماضي فقط، وهو ما يعكس التأثير المباشر للتوترات العسكرية في منطقة الخليج على الأسواق العالمية للطاقة.

ويشير المقال كذلك إلى مفارقة لافتة في السياسة الأمريكية. فبعد سنوات من محاولات تقليص الانخراط العسكري في الشرق الأوسط – وهي السياسة التي بدأت منذ عهد الرئيس باراك أوباما – تجد الولايات المتحدة نفسها اليوم منخرطة في حرب جديدة في المنطقة، تنفق فيها المزيد من الموارد المالية والعسكرية، وربما الدماء أيضاً.

ويضيف الكاتب أن هذه الحرب لم تأت نتيجة تهديد وشيك أو خطر مباشر يتطلب تحركاً عاجلاً، بل جاءت بصورة مفاجئة نسبياً، ما يثير تساؤلات حول جدوى هذا التصعيد العسكري وأهدافه النهائية.

ومن وجهة نظر بوت، فإن إحدى أخطر نتائج هذا الصراع هي أنه يصرف انتباه الولايات المتحدة عن التحدي الاستراتيجي الأكبر الذي تمثله الصين. فبكين تستثمر بشكل مكثف في الصناعات المستقبلية والتقنيات المتقدمة، وقد بدأت بالفعل في تحقيق تقدم واضح على الولايات المتحدة في مجالات عديدة.

ومن بين هذه المجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، وصناعة السيارات الكهربائية، إضافة إلى تطوير الطائرات المسيّرة. كما تعمل الصين في الوقت نفسه على تعزيز قدراتها العسكرية بشكل ملحوظ، خاصة في المجالين البحري والنووي، بما في ذلك تطوير غواصات نووية متطورة يمكن أن تشكل تهديداً للهيمنة البحرية الأمريكية.

ويرى الكاتب أن إدارة الرئيس دونالد ترمب تبرر الهجوم على إيران بالاستناد إلى تاريخ طويل من العداء بين طهران وواشنطن. غير أن هذا التبرير لا يرافقه – بحسب المقال – تصور واضح لما يجب أن تبدو عليه إيران بعد انتهاء الحرب.

فحتى الآن، لا توجد خطة واضحة لدى الإدارة الأمريكية لكيفية إنشاء نظام جديد في إيران يقوم على أسس الحرية والديمقراطية، وهو الهدف الذي غالباً ما تطرحه واشنطن عند الحديث عن تغيير الأنظمة السياسية في المنطقة.

وفي ظل غياب مثل هذه الرؤية، تصبح الحرب مكلفة للغاية من حيث الأرواح والموارد المالية. كما أنها تضيف أعباء جديدة إلى الديون الوطنية الأمريكية، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات اقتصادية واستراتيجية كبيرة على الساحة الدولية.

ويخلص الكاتب إلى أن المستفيدين الأكبر من هذه الحرب قد لا يكونون داخل الولايات المتحدة نفسها. فروسيا تستفيد من ارتفاع أسعار النفط، بينما تواصل الصين تعزيز تقدمها في السباق الصناعي والعسكري العالمي.

وبناء على ذلك، تبدو الحرب الأمريكية على إيران – بحسب وصف المقال – أقرب إلى ما يمكن تسميته "حرب نزوة"، لأنها تشتت انتباه الولايات المتحدة عن أولوياتها الاستراتيجية الكبرى، سواء في المجال الاقتصادي أو العسكري، في وقت تحتاج فيه واشنطن إلى تركيز جهودها لمواجهة التحديات التي تفرضها القوى المنافسة الكبرى.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 10