المحافظون الجدد واليمين الأمريكي: صناعة العدو الإسلامي لتبرير الحرب

2026.03.08 - 08:40
Facebook Share
طباعة

 في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أصبح فهم خلفيات هذه الصراعات ضرورة لفهم السياسات الأمريكية الحالية. فقد ألقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خطابًا أمام مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير الماضي، الذي يعكس تصور الإدارة الأمريكية عن "الغرب في مواجهة العالم"، وهو خطاب استعراضي أعاد تعريف التحالفات الأمريكية مع إسرائيل وأوروبا ضمن إطار حضاري مشترك، مزوَّد بإرث ديني وثقافي يربط اليهودية بالمسيحية.

روبيو دعا أوروبا إلى التكاتف مع الولايات المتحدة على أساس هذا الانتماء الحضاري، متجاهلًا أن اللغات المشتركة المفترضة بين الشعوب الأوروبية لم تعد موجودة عمليًا، فاللاتينية لغة ميتة، والإنجليزية ليست لغة رسمية في الولايات المتحدة على المستوى الفيدرالي تاريخيًا، رغم هيمنتها العملية في الإعلام والتعليم. وبالفعل، أصدر الرئيس دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا في مارس 2025 لتحديد الإنجليزية كلغة رسمية لأول مرة.

وفق رؤية روبيو، تواجه الحضارة الغربية ثلاثة تهديدات رئيسية: التهديد الاستراتيجي من الصين وروسيا، التهديد الديموغرافي عبر الهجرة اللاتينية والأفريقية، والتهديد الثقافي الذي يربط الإسلام بالعداء الحضاري للغرب. هذا الطرح يحول المسلمين إلى خصوم وجوديين للغرب المتخيل، ويبرر تعبئة الموارد الأمريكية لدعم إسرائيل، حتى على حساب المصالح الاستراتيجية الفعلية للولايات المتحدة.

الاقتصاد والجغرافيا كخلفية للصراع

تفسر النظرية الاقتصادية للصراع الدولي أن الحروب الإمبريالية تنشأ بسبب الرغبة في الهيمنة على الأسواق والموارد، وليس بسبب اختلافات ثقافية أو دينية. فمثلاً، حرب البوير الثانية في جنوب أفريقيا كانت ذات دوافع اقتصادية بحتة، إذ شن البريطانيون الحرب على المستوطنين الهولنديين المسيحيين الأوروبيين الذين سيطروا على المناجم، وليس على الأفارقة السود.

في المقابل، ترى النظريات الجيوسياسية أن الصراع الدولي ينبع من التوزيع الجغرافي للقوى. فهالفورد ماكيندر اعتبر أن الفضاء الأوراسي بين روسيا ووسط أوروبا يشكل محور العالم، ومن يسيطر عليه يسيطر على العالم. الأدميرال الأمريكي ألفريد ماهان أضاف بُعدًا بحريًا للصراع بين قوى البر وقوى البحر، مؤكداً أهمية التفوق العسكري البحري والسيطرة على الممرات التجارية.

مدرسة الجيوبوليتيك الألمانية أضافت بعدًا حضاريًا، فكارل هاوسهوفر تميز بين قوى البر "تيليوكراسي" وقوى البحر "ثالاسوكراسي"، في حين رأى كارل شميت أن الصراع بين أوروبا القارية والقوى الأطلسية ليس مجرد صراع سياسي، وإنما صراع ثقافي بين التقليد الأوروبي والليبرالية الأطلسية.

الغرب والحضارة

حتى أوائل القرن العشرين، كان الصراع داخل الغرب نفسه، بين أوروبا القارية وإنجلترا، مع توظيف الأبعاد الثقافية لتبرير الصراعات الاقتصادية والسياسية. لم يكن الغرب قد وُضع بعد في مواجهة الشرق، بل كانت مقولته تستخدم ثقافيًا في سياق تحولات داخلية وأزمات حضارية، كما لدى مفكرين مثل أوزفالد شبنغلر الذي اعتبر الحضارة الغربية واحدة من بين حضارات متعددة، تتحول تدريجيًا إلى حضارة فاوستية متخلية عن الروحانية، مع فساد الديمقراطية تحت حكم المال.

بعد الحرب العالمية الثانية، صاغ المثقفون اليهود الأمريكيون رؤية للغرب تقوم على الجمع بين اليهودية والمسيحية، وتبني الليبرالية والديمقراطية لمواجهة الأنظمة الشمولية. وقد تبنى المحافظون الجدد هذه الرؤية لدعم العلاقة مع إسرائيل، معتبرينها خط الدفاع المتقدم عن الغرب ضد ما يُسمّى التطرف الإسلامي، بغض النظر عن المصالح الواقعية للولايات المتحدة.

المحافظون الجدد والصهيونية الأمريكية

شكلت نيويورك مركزًا للمثقفين اليهود قبل الحرب العالمية الثانية، مثل إرفينغ كريستول ودانيال بيل، الذين ربطوا بين الدفاع عن إسرائيل والمحافظة على الثقافة الغربية. هذا التيار صاغ خطابًا حضاريًا غربيًا، اعتبر فيه المسلمين أعداء وجوديين للغرب، وهو خطاب اعتمدته إدارة ترامب وروبيو وجي دي فانس، رغم أن معظم الدول الإسلامية أبدت استعدادًا للتحالف مع الولايات المتحدة في ملفات استراتيجية، بما في ذلك مواجهة الصين وروسيا، وليس لمجرد تهديد "حضاري" مزعوم.

المحافظون التقليديون، مثل بول جوتفريد، هاجموا هذا التوجه، معتبرين أن التيار الصهيوني الأمريكي يخطئ عاصمة الولايات المتحدة فيتصورها تل أبيب، وليس واشنطن، وأن هذه السياسات تحول أمريكا إلى أداة لخدمة مصالح إسرائيل.

الحملات الصليبية الجديدة

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، تم تصوير الإسلام كتهديد حضاري، وإسرائيل كخط دفاع غربي ضد "الإرهاب الإسلامي"، وهو خطاب استخدمه المحافظون الجدد لتبرير حروب الشرق الأوسط وتوجيه الموارد الأمريكية بعيدًا عن مصالحها الاستراتيجية الحقيقية. خطاب صامويل هنتنغتون في "صدام الحضارات" دعم هذا المنطق، مع تجاهل أن الصراع الأساسي ليس حضاريًا وإنما إمبريالي وصهيوني، يهدف إلى حماية إسرائيل واستنزاف القوى الأمريكية في حروب لا تخدم مصالحها الفعلية.

هذا التيار يبرر تدخلات أمريكية مباشرة وغير مباشرة في الشرق الأوسط، ويحوّل المسلمين المسالمين إلى تهديد وجودي للغرب المتخيل، مستغلاً المخاوف الديمغرافية والثقافية لتغطية أزمات الاقتصاد الأمريكي والتفاوت الاجتماعي الهائل، بدل مواجهة جذور هذه الأزمات داخليًا.

التناقضات الداخلية

تظهر التناقضات بوضوح في تصريحات روبيو، فالمهاجرون اللاتينيون يشكلون تهديدًا ديموغرافيًا رغم أنهم ليسوا مسلمين، وجي دي فانس يدافع عن الهوية الكاثوليكية ضد التعددية الثقافية، بينما التكنولوجيا الموجهة لتعزيز التفوق العسكري للولايات المتحدة تُوظف لدعم إسرائيل وإعادة ترتيب موازين القوة لصالح الشرق الأوسط، وليس لمصلحة الأمن الأمريكي أو مصالح الغرب الاستراتيجية.

باختصار، ما يُسمّى الحرب الحضارية بين الغرب والإسلام، وفق هذا الخطاب، ليست إلا تغطية لصراع إمبريالي وصهيوني، يُستنزف من خلاله الاقتصاد الأمريكي والموارد العسكرية في خدمة إسرائيل، بينما يغفل اليمين الأمريكي الأزمات الداخلية والفوارق الاجتماعية الكبرى التي تواجه الولايات المتحدة فعليًا.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 8