لم تقتصر تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي على الجبهات الميدانية، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث شهدت دول الخليج موجة واسعة من الفيديوهات والصور المضللة التي نُسبت إلى أحداث محلية أو تأثيرات مباشرة للصراعات الإقليمية. هذا التدفق الكثيف للمحتوى غير الموثوق دفع الحكومات الخليجية لإصدار تحذيرات رسمية من تداول الشائعات والمقاطع المفبركة، مع التأكيد على أهمية الاعتماد على المصادر الرسمية فقط.
في قطر، شددت وزارة الداخلية على ضرورة عدم الانسياق وراء الشائعات أو مقاطع الفيديو المضللة، بما في ذلك تلك المصنّعة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، محذرة من اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين. كما حذر مكتب الاتصال الحكومي من معلومات مضللة جرى تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي، داعياً المواطنين والمقيمين إلى الاعتماد على المصادر الرسمية لضمان الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة.
وفي الإمارات، أصدر النائب العام تحذيراً من تصوير أو نشر أو تداول مقاطع تظهر مواقع الحوادث أو الأضرار الناتجة عن سقوط مقذوفات أو شظايا، مشيراً إلى أن نشر مثل هذه المواد قد يثير الذعر بين أفراد المجتمع أو يعطي صورة غير دقيقة عن الأوضاع، ويعرض ناشريها للمساءلة القانونية.
وبالمثل، شددت النيابة العامة في الكويت على ضرورة التثبت والمسؤولية عند تداول الأخبار في ظل الظروف الإقليمية الراهنة، مؤكدة أن الاعتماد على المصادر الرسمية ضروري لتجنب نشر معلومات غير دقيقة قد تثير القلق أو تخل بالطمأنينة العامة. كما دعا الادعاء العام في سلطنة عمان المواطنين والمقيمين إلى الامتناع عن تصوير أو نشر أي مقاطع أو معلومات تتعلق بالحوادث أو المواقع الحساسة، محذراً من أن نشر مثل هذه المواد قد يشكل مخالفة قانونية إذا أدى إلى الإخلال بالأمن العام أو إثارة الهلع.
تعكس هذه التحذيرات الرسمية إدراك حكومات الخليج لخطورة الحرب المعلوماتية المصاحبة للأزمات العسكرية، حيث تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى بيئة خصبة لتداول محتوى غير دقيق أو مفبرك، يمكن أن يساهم في تضخيم الأحداث أو خلق انطباعات مضللة عن الواقع. وفي ظل سرعة انتشار المحتوى الرقمي، يمكن لمقطع فيديو مضلل أن يحصد ملايين المشاهدات خلال ساعات، مما يجعل عملية التحقق من المعلومات أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وتبرز أهمية دور المؤسسات الإعلامية المهنية في التحقق من المعلومات قبل نشرها، لضمان نقل الصورة الواقعية للأحداث. ومن بين هذه الجهود، تعمل فرق المصادر المفتوحة والتحقق الرقمي في الشبكات الإعلامية على رصد وتحليل المحتوى المتداول على منصات التواصل الاجتماعي، بهدف التمييز بين المعلومات الموثوقة والمواد المفبركة أو الخارجة عن سياقها.
على سبيل المثال، تمكنت وحدة المصادر المفتوحة من تفنيد عدد من المقاطع المتداولة مؤخرًا، التي زُعم أنها توثق هجمات أو أضراراً في مدن خليجية، لتتضح لاحقًا أنها تعود إلى أحداث قديمة أو إلى مواقع خارج المنطقة. هذه العمليات تؤكد أن الحرب الرقمية تتطلب يقظة مستمرة، وتحليلاً دقيقاً للمواد المتداولة، مع نشر التوعية بين الجمهور حول مخاطر الانسياق وراء محتوى غير موثوق.
في المحصلة، تأتي هذه التحذيرات الخليجية في إطار جهود متواصلة لمواجهة التضليل الرقمي وحماية الأمن المجتمعي، وضمان تداول معلومات دقيقة وموثوقة في أوقات الأزمات، بما يقلل من فرص إثارة الذعر أو نشر شائعات قد تؤثر على الاستقرار المحلي والإقليمي.
الجزيرة