الفاتورة الاقتصادية للحرب الأمريكية على إيران

2026.03.07 - 11:00
Facebook Share
طباعة

 يتناول النقاش العام حول الحروب غالبًا البعد العسكري أو الاستراتيجي، لكن الاقتصاد السياسي يقدم رؤية مختلفة تمامًا، إذ تُموَّل أي عملية عسكرية في النهاية من الموازنات العامة عبر الضرائب أو الاقتراض الحكومي، مما ينقل عبء الحرب المالي مباشرة إلى المواطنين أو يؤجله عبر أجيال لاحقة من دافعي الضرائب.

تظهر هذه الحقيقة بوضوح في الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والمعروفة باسم عملية "الغضب الملحمي"، إذ تتجاوز أبعادها العسكرية لتصبح قضية اقتصادية داخلية في الولايات المتحدة، حيث تتصاعد التساؤلات في الأوساط السياسية والاقتصادية حول الكلفة التي سيتحملها دافعو الضرائب الأمريكيون.

فقد قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن تكلفة أول مئة ساعة من العمليات العسكرية بلغت نحو 3.7 مليارات دولار، أي ما يعادل حوالي 891 مليون دولار يوميًا، مع ملاحظة أن نحو 3.5 مليارات دولار من هذه النفقات لم تُدرج مسبقًا في ميزانية وزارة الدفاع، ما يعني احتمال طلب اعتمادات إضافية من الكونغرس لتغطية هذه التكاليف الطارئة. كما تشير تقديرات أخرى إلى أن الكلفة الإجمالية للحرب، عند احتساب الانتشار العسكري الإضافي وخسائر المعدات، تجاوزت خمسة مليارات دولار، ما يعكس واقعًا اقتصاديًا واضحًا؛ إذ تتحول الحروب الحديثة بسرعة إلى التزامات مالية كبيرة تتحملها الخزانة الأمريكية وينتهي عبؤها على دافعي الضرائب.

أطلقت الولايات المتحدة المرحلة الأولى من عملية "الغضب الملحمي" عبر حملة مكثفة من الضربات الجوية والبحرية التي استهدفت مواقع داخل إيران. وأظهرت بيانات الجيش الأمريكي أن القوات قصفت نحو ألفي هدف في أقل من أربعة أيام مستخدمة أكثر من ألفي ذخيرة، بمشاركة مئات الطائرات المقاتلة وعدد كبير من القطع البحرية.

وتنقسم الكلفة المباشرة لهذه العمليات إلى ثلاثة محاور رئيسية: تكاليف التشغيل العسكري للقوات والطائرات والسفن، وتكاليف الذخائر العسكرية المستهلكة، وتكاليف الخسائر العسكرية لاستبدال المعدات أو إصلاح المنشآت المتضررة. وأظهر تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن الذخائر شكلت الجزء الأكبر من الفاتورة، إذ بلغت تكاليف استبدالها نحو 3.1 مليارات دولار من أصل 3.7 مليارات دولار أنفقت في أول مئة ساعة.

وبلغت تكلفة العمليات الجوية في الفترة نفسها نحو 125 مليون دولار، بينما استمرت هذه العمليات في استنزاف نحو 30 مليون دولار يوميًا، في حين بلغت تكلفة تشغيل القوات البحرية نحو 64 مليون دولار خلال المئة ساعة، مع استمرار استهلاك نحو 15 مليون دولار يوميًا للحفاظ على العمليات البحرية. وتكشف هذه الأرقام عن سمة أساسية في الاقتصاد العسكري المعاصر: التشغيل المستمر للقوة العسكرية المتقدمة يستهلك موارد مالية ضخمة حتى قبل احتساب كلفة الأسلحة والذخائر المستخدمة.

يرتبط ارتفاع كلفة الحروب الحديثة بطبيعة الأسلحة المتقدمة، إذ تعتمد الجيوش على ذخائر موجهة بدقة عالية لتعزيز الفعالية القتالية، لكنها ترفع الكلفة بشكل كبير. على سبيل المثال، يبلغ سعر صاروخ "توماهوك" المجنح نحو 3.6 ملايين دولار، بينما تبلغ حزمة التوجيه لتحويل القنابل التقليدية إلى ذخائر موجهة نحو 80 ألف دولار. كما يصل صاروخ الاعتراض "باتريوت" المستخدم في منظومات الدفاع الجوي إلى نحو 4 ملايين دولار للصاروخ الواحد، وقد يتضاعف المبلغ إذا استلزمت عمليات الاعتراض إطلاق عدة صواريخ لاعتراض صاروخ واحد، ما قد يرفع التكلفة إلى أكثر من 40 مليون دولار في حالة المواجهات المكثفة.

وتشير التقديرات إلى أن جزءًا كبيرًا من الإنفاق العسكري لم يكن مشمولًا ضمن الموازنة الدفاعية الأمريكية، ما سيضطر الإدارة إلى طلب اعتمادات إضافية من الكونغرس. ووفقًا لتقارير، قد يصل التمويل الطارئ المطلوب إلى 50 مليار دولار لتغطية الذخائر المستهلكة واستبدال المعدات ودعم الانتشار العسكري في المنطقة. وهذا المسار ليس جديدًا؛ فقد استخدمت الإدارات الأمريكية السابقة في حربي العراق وأفغانستان حساب العمليات الطارئة الخارجية لتغطية العمليات العسكرية خارج الميزانية التقليدية، وقد تجاوز إجمالي الأموال المخصصة له تريليوني دولار قبل إلغائه عام 2021، ما أثار انتقادات واسعة.

ويُعد أسلوب تمويل الحرب عاملاً حاسمًا في تحديد آثارها الاقتصادية الطويلة الأمد. ففي التجربة الأمريكية الحديثة، نادراً ما تم تمويل النزاعات العسكرية بالكامل عبر الضرائب، بل اعتمدت الحكومات بدرجة كبيرة على الاقتراض العام، ما يعني ترحيل جزء كبير من كلفة الحروب إلى أجيال لاحقة من دافعي الضرائب. وتشير تقديرات مشروع "تكاليف الحرب" في جامعة براون إلى أن كلفة حربي العراق وأفغانستان، بعد احتساب النفقات المباشرة والرعاية الصحية للمحاربين القدامى ومدفوعات الفوائد على الدين المرتبط بالحرب، تجاوزت ثمانية تريليونات دولار.

ورغم أن المواجهة الحالية مع إيران ما تزال في مراحلها الأولى، يحذر خبراء الاقتصاد من أن الحروب، حتى إذا كانت محدودة، قد تترك آثارًا مالية طويلة الأمد إذا استمرت، إذ يؤدي توسع الإنفاق العسكري إلى زيادة العجز وارتفاع الدين السيادي، ما يفرض لاحقًا أعباء إضافية على الميزانية الفيدرالية في شكل مدفوعات فوائد متزايدة.

ويقدر عدد دافعي الضرائب في الولايات المتحدة بنحو 160 مليون شخص، ما يتيح تقدير العبء المالي لكل فرد. ففي حالة إنفاق 3.7 مليارات دولار في أول مئة ساعة، يعادل ذلك نحو 23 دولارًا لكل دافع ضرائب، أما إذا ارتفعت الكلفة الإجمالية إلى 50 مليار دولار، فقد يصل العبء إلى حوالي 312 دولارًا لكل فرد. هذه الأرقام قد تبدو محدودة عند النظر إليها بشكل فردي، لكنها تعكس سرعة تراكم النفقات مع استمرار العمليات العسكرية، خاصة وأن هذه الحسابات لا تشمل التكاليف غير المباشرة مثل الرعاية الصحية للمحاربين القدامى أو مدفوعات الفوائد على الدين.

ولا تتوقف آثار الحرب على الموازنة الحكومية، بل تمتد إلى الاقتصاد اليومي للأسر، ويعد سوق الطاقة من أكثر القطاعات حساسية لأي تصعيد عسكري قرب إيران، نظرًا لموقعها الاستراتيجي قرب مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية. أي اضطراب في تدفقات الطاقة أو ارتفاع مستوى المخاطر الجيوسياسية يؤدي فورًا إلى زيادة أسعار الوقود، وهو ما ينعكس على تكاليف المعيشة والأسواق المالية الأمريكية، ويشمل تأثيره النقل والصناعة والزراعة وإنتاج الغذاء وتوليد الكهرباء.

وتترك هذه الكلفة الاقتصادية آثارها أيضًا على الرأي العام، فقد أظهرت استطلاعات أجرتها رويترز/إبسوس بعد اندلاع الحرب تحفظ شريحة كبيرة من الأمريكيين تجاه استمرار العمليات العسكرية، خصوصًا مع ارتفاع المخاوف المتعلقة بالتكاليف المالية والاقتصادية. ويشير خبراء السياسة الخارجية إلى أن وضوح الصورة المالية للحروب يعد عنصرًا أساسيًا في النقاش العام داخل الأنظمة الديمقراطية، إذ يجب أن يكون لدى الإدارة الأمريكية تقديرات دقيقة تساعد الرأي العام على فهم الأبعاد الاقتصادية للقرارات العسكرية الكبرى.

ويبقى العامل الحاسم في تقدير كلفة الحرب مرتبطًا بمدتها الزمنية؛ فالحملات القصيرة قد تظل ضمن حدود مالية يمكن احتواؤها، أما الحروب الممتدة فتتحول إلى التزامات مالية تمتد سنوات، وأحيانًا عقودًا. وفي حال توسع نطاق المواجهة أو استمرت العمليات العسكرية لفترة أطول، قد ترتفع الفاتورة المالية بشكل كبير، وتجارب التاريخ تظهر أن التقديرات الأولية غالبًا ما تقل كثيرًا عن الكلفة النهائية التي تظهر لاحقًا مع تراكم النفقات والالتزامات المالية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 6