يطرح التصعيد العسكري الأخير في الشرق الأوسط أسئلة عميقة حول طبيعة الصراع في المنطقة ومستقبله، خاصة بعد العملية التي أعلنتها إسرائيل تحت اسم "زئير الأسد" في 28 فبراير/شباط 2026. فالتطورات المتلاحقة أعادت النقاش حول الأهداف الاستراتيجية للحرب، وما إذا كانت مجرد ردود فعل أمنية أم جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
جاءت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتزيد الجدل، بعدما تحدث عن أن ما يجري يمثل لحظة طال انتظارها بالنسبة له، في إشارة إلى مسار طويل من المواجهة مع إيران هذا التصريح أعاد تسليط الضوء على الخطاب الذي تبناه نتنياهو لسنوات طويلة، والذي ركز على التحذير من البرنامج النووي الإيراني واعتباره تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي.
على مدار عقود، كرر نتنياهو أمام الكونغرس الأمريكي وفي المحافل الدولية تحذيراته من اقتراب إيران من امتلاك سلاح نووي. غير أن تقارير استخباراتية أمريكية مختلفة أشارت في أوقات عدة إلى عدم وجود أدلة قاطعة على أن طهران تعمل فعلياً على إنتاج قنبلة نووية في المدى القريب. هذا التباين بين الخطاب السياسي والتقديرات الاستخباراتية فتح الباب أمام تحليلات ترى أن جوهر الصراع يتجاوز الملف النووي إلى مسألة النفوذ الإقليمي.
في هذا الإطار، يبرز مفهوم "إسرائيل الكبرى" الذي يستخدمه بعض الباحثين لوصف رؤية تقوم على ترسيخ التفوق العسكري والسياسي لإسرائيل في المنطقة وتظهر ملامح هذه الرؤية في عدة مسارات، من بينها تعثر حل الدولتين في القضية الفلسطينية، واستمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وتغير الوقائع السياسية والأمنية في قطاع غزة.
كما أن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين أسهمت في تغيير موازين القوى فقد أدت الحروب والصراعات في دول مثل العراق وسوريا واليمن ولبنان إلى إضعاف قوى إقليمية تقليدية، في حين عززت إسرائيل قدراتها العسكرية والتكنولوجية، ما منحها موقعاً متقدماً في معادلة القوة.
في المقابل، لعبت التحالفات الدولية دوراً مؤثراً في رسم المشهد الجديد إذ حافظت الولايات المتحدة على حضور عسكري واسع في الشرق الأوسط عبر القواعد العسكرية والاتفاقيات الدفاعية وصفقات التسليح مع عدد من الدول كما ظهرت ترتيبات سياسية جديدة، أبرزها اتفاقيات التطبيع التي أعادت تشكيل خريطة العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية.
مع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، تتزايد التحذيرات من أن استمرار هذا المسار قد يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدود الصراع التقليدي. فاندلاع حرب إقليمية قد يهدد الممرات البحرية الحيوية ويؤثر على أسواق الطاقة ويخلق اضطرابات اقتصادية عالمية.
في ظل هذه التطورات، تتعالى الدعوات الدولية لخفض التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي غير أن مستقبل الشرق الأوسط سيظل مرهوناً بقدرة القوى الإقليمية والدولية على تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، والعمل على بناء توازن جديد يحد من الصراعات التي أثقلت كاهل المنطقة لعقود طويلة.