التضامن الشعبي يحلّ جزئياً مكان الدولة في لبنان

2026.03.04 - 08:25
Facebook Share
طباعة

 شهدت مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، بعد الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفتها يوم الأحد، موجة نزوح داخلي واسعة. في أقل من ساعة، تحوّل ما يقارب مليون شخص إلى نازحين، فيما استجابت أغلب الجهات الرسمية ببطء، تاركة المواطنين يعتمدون على أنفسهم والمنصات الرقمية للتواصل وطلب المساعدة.

في الطرقات، علّقت آلاف السيارات لأكثر من 24 ساعة في بعض الحالات، فيما اضطر الناس للبحث عن حلول بديلة لمواجهة نقص الوقود والكهرباء والموارد الأساسية. بعض العسكريين ونازحين كانوا بحاجة إلى كميات محدودة من البنزين للوصول إلى مناطقهم، بينما تبحث العائلات عن شقق مفروشة لتأمين الكهرباء لأجهزة طبية للأطفال وكبار السن ومرضى يحتاجون إلى أجهزة دعم تنفسي.

منصات التواصل الاجتماعي تحولت إلى شبكة أمان شعبية، حيث تقدم الأفراد العون والمساعدة لبعضهم البعض. أحد المواطنين قال: «وضعي على قدي، بس مش قادر غير إني ساعد حدا… إذا في عيلة مش كبيرة وخاصة إذا معن ولاد صغار، بستقبلن الليلة». هكذا أصبح الفضاء الرقمي بمثابة غرفة عمليات شعبية، يستقبل طلبات الاستضافة وتنسيق المساعدات، في ظل غياب خطط الطوارئ الرسمية أو استجابة سريعة من المؤسسات المعنية.

في المقابل، ظهر وجه آخر للمجتمع يهيمن عليه الطمع واستغلال الأزمة. سجل نازحون ارتفاعاً كبيراً في أسعار إيجار الشقق، حيث وصلت الطلبات أحياناً إلى أكثر من ألف دولار مع اشتراط دفعات مسبقة لأشهر عدة، بحجة ارتفاع الطلب أو المخاطر الأمنية. كما أصدرت عدد من البلديات تعاميم لضبط حركة التأجير، مطالبة أصحاب الشقق بالحصول على موافقة خطية قبل إجراء أي عقد، مع تزويدها بنسخ من الوثائق الثبوتية للنازحين، مع التلويح بمساءلة المخالفين.

هذا الواقع دفع بعض النازحين إلى العودة إلى مناطقهم المهددة، مفضلين مواجهة المخاطر على تحمل الاستغلال والقيود المفروضة في المناطق الآمنة نسبياً. الطرقات التي علّق فيها الناس لساعات طويلة شهدت نشاطاً مجتمعياً غير رسمي، حيث تعاون الأفراد لمشاركة الموارد المحدودة وتقديم الدعم لبعضهم البعض، رغم نقص البنية التحتية والخدمات الأساسية.

كما أظهرت التجربة الأخيرة تكراراً لانكشاف الدولة على الاستجابة السريعة للأزمات، وهو ما يجعل التضامن الشعبي، ولو محدوداً، الخيار الأول للأسر المتضررة. المشاهد الإنسانية شملت استضافة أفراد في منازل خاصة، وتبادل معلومات حول مراكز توزيع الغذاء والمياه، وتنسيق نقل المرضى وكبار السن.

التجربة الحالية في لبنان تظهر تحديات كبيرة تتعلق بالاستعداد لمواجهة النزوح الداخلي، مع الاعتماد الكثيف على المنصات الرقمية والاعتماد المجتمعي الذاتي، ما يعكس فجوة في خطط الطوارئ الرسمية وقدرة الدولة على إدارة الأزمات بسرعة وكفاءة. في الوقت نفسه، تعكس هذه الأحداث قدرة المجتمع المدني على الاستجابة في حالات الطوارئ، رغم محدودية الموارد، حيث تحول الفضاء الرقمي إلى محور تنسيق ومساعدة وسط حالة فوضى ونزوح جماعي.

في المحصلة، يمثل النزوح الأخير انعكاساً للتحديات المستمرة التي يواجهها لبنان في إدارة الأزمات، ويكشف مدى أهمية تطوير خطط طوارئ فعّالة، تضمن حماية المواطنين وتوفير احتياجاتهم الأساسية، مع تقليل الاعتماد على التضامن الشعبي الذي يظل محدوداً وغير منظم.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 1