واشنطن بين ترمب ونتنياهو

2026.03.04 - 08:07
Facebook Share
طباعة

 يتصاعد الجدل داخل واشنطن بشأن الجهة التي قادت قرار الانخراط العسكري ضد إيران، في لحظة سياسية حساسة تتداخل فيها الحسابات الدستورية مع اعتبارات التحالفات الخارجية. السؤال الذي يتردد في أروقة الكونغرس وعلى منصات التواصل لم يعد مقتصراً على جدوى الحرب، بل امتد إلى طبيعة القرار نفسه: هل اتخذته إدارة الرئيس دونالد ترمب بشكل مستقل، أم جاء استجابة لمسار فرضته حكومة بنيامين نتنياهو؟

الإدارة الأميركية حاولت احتواء الانتقادات عبر جلسات إحاطة مغلقة شارك فيها وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث، إضافة إلى مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف ورئيس هيئة الأركان المشتركة. وخلال هذه الإحاطات، قُدّم تبرير مفاده أن واشنطن تحركت بعدما تبيّن أن إسرائيل ماضية في توجيه ضربة لإيران، وأن طهران سترد باستهداف مصالح أميركية في المنطقة، ما استدعى تحركاً استباقياً لحماية القوات والمنشآت.

لكن هذا التفسير لم يُنهِ حالة التشكيك. السيناتور مارك وارنر وصف ما جرى بأنه “حرب اختيارية”، معتبراً أن اعتبار كل تهديد لإسرائيل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة يفتح الباب أمام انخراط غير محدود في نزاعات إقليمية. كما أثيرت تساؤلات دستورية حول صلاحيات الحرب، في ظل تحركات يقودها السيناتوران تيم كين وراند بول لطرح مشروع قرار يقيّد أي عمليات عسكرية إضافية ضد إيران دون موافقة الكونغرس، استناداً إلى قانون صلاحيات الحرب.

الجدل لم يقتصر على الديمقراطيين. النائب الجمهوري توماس ماسي انتقد الإدارة بشدة، معتبراً أن الولايات المتحدة وجدت نفسها في حرب مكلفة بشرياً ومالياً، محذراً من تداعيات اقتصادية محتملة تشمل ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية. هذا الموقف يعكس انقساماً داخل الحزب الجمهوري نفسه، لا سيما بين التيار التقليدي والتيار المرتبط بشعار “أمريكا أولاً”.

داخل المعسكر المحافظ، برزت أصوات تتساءل عما إذا كانت أولوية الإدارة ما تزال متمحورة حول الداخل الأميركي أم أنها انزلقت إلى حسابات خارجية معقدة. الناشطة المحافظة كاري بولر أثارت نقاشاً لافتاً عندما طرحت سؤالاً مباشراً حول طبيعة الإرث السياسي للرئيس، وهل سيظل مرتبطاً بشعار القومية الاقتصادية أم سيتأثر بملفات الشرق الأوسط.

في المقابل، دافع رئيس مجلس النواب مايك جونسون عن قرار الإدارة، معتبراً أن إسرائيل كانت عازمة على التحرك بغض النظر عن الموقف الأميركي، وأن تجاهل ذلك كان سيعرّض القوات الأميركية في المنطقة لمخاطر أكبر. هذا الطرح يستند إلى منطق التحالف الاستراتيجي، لكنه لا يبدد بالكامل المخاوف المتعلقة باستقلالية القرار.

الشق العسكري بدوره حاضر في النقاش. تقارير إعلامية تحدثت عن تململ داخل بعض الوحدات المنتشرة في الشرق الأوسط، خصوصاً على متن حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد فورد، مع تزايد فترات الانتشار والضغوط المصاحبة لها. ويشير محللون إلى أن الحروب المفتوحة بلا سقف زمني واضح تفرض كلفة سياسية واقتصادية قد تتجاوز مكاسبها الاستراتيجية، خصوصاً إذا لم تُحدَّد أهداف دقيقة وقابلة للتحقق.

السؤال الجوهري الذي يطفو على السطح يتعلق بمفهوم “سيادة القرار الوطني” وحدود الالتزام بالتحالفات. فبينما يؤكد معظم المشرعين دعمهم لأمن إسرائيل، يشدد عدد متزايد منهم على ضرورة ألا يؤدي ذلك إلى تعريض حياة الأميركيين ومصالحهم لمخاطر غير محسوبة.

في المحصلة، تكشف الأزمة عن لحظة مراجعة داخل النظام السياسي الأميركي، حيث تتقاطع الحسابات الانتخابية مع النقاش الدستوري حول صلاحيات الحرب. وبينما تستمر العمليات العسكرية، يبقى الجدل مفتوحاً: هل جاء قرار الحرب نتيجة تقدير مستقل للمصالح الأميركية، أم أنه تأثر بإيقاع تحالفات إقليمية معقدة؟ الإجابة، حتى الآن، ما تزال محل انقسام حاد في واشنطن.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 7