مع تصاعد العمليات العسكرية التي تقودها إدارة دونالد ترمب ضد إيران، بدعم إسرائيلي مباشر، وجدت العواصم الأوروبية نفسها خارج دائرة القرار، تراقب تطورات المشهد من موقع المتأثر لا الشريك. فبينما تتكثف الضربات وتتسع رقعة المواجهة، تبدو أوروبا عاجزة عن التأثير في مسار الأحداث، رغم إدراكها العميق لحجم التداعيات الأمنية والسياسية التي قد تطالها.
قراءة تحليلية نشرتها The New York Times أظهرت تباينًا في ردود الفعل الأوروبية، بين الحذر والدعوة إلى استعادة المسار الدبلوماسي. المستشار الألماني فريدريش ميرتس أقرّ بأن واشنطن تقوم بخطوات لا تملك أوروبا القدرة أو الإرادة للقيام بها، في إشارة تعكس فجوة متنامية في أدوات القوة بين ضفتي الأطلسي.
في المقابل، عبّر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عن رفضه للضربات، محذرًا من تصعيد قد يهدد استقرار المنطقة بأكملها. أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فحاول تجنب صدام مباشر مع واشنطن، مفضّلًا إبقاء التركيز على الملف الأوكراني، في خطوة تعكس حرص باريس على عدم فتح جبهة خلاف إضافية مع الإدارة الأمريكية.
ورغم التحفظ الأوروبي على النهج العسكري، فإن بعض القادة لم يخفوا تأييدهم لأهداف أمريكية معلنة، مثل منع إيران من تطوير سلاح نووي وتقليص قدراتها الصاروخية. هذا التناقض بين رفض الأسلوب العسكري وتفهم بعض الأهداف يكشف مأزقًا أوروبيًا عميقًا: كيف يمكن الحفاظ على التحالف مع واشنطن دون الانجرار إلى مغامرة عسكرية لا تملك أوروبا زمامها؟
يرى مراقبون أن المقاربة الأحادية التي تتبعها الإدارة الأمريكية قد تخلق ديناميكية دولية جديدة، تمنح قادة مثل فلاديمير بوتين وشي جين بينغ مبررًا إضافيًا لتشديد سياساتهم في أوكرانيا وتايوان، بذريعة أن منطق القوة بات يتقدم على قواعد القانون الدولي. وفي هذا السياق، تبدو أوروبا أكثر تمسكًا بالخطاب القانوني والدبلوماسي، لكنها أقل قدرة على فرضه في واقع دولي سريع التحول.
المملكة المتحدة تواجه اختبارًا خاصًا. فبحكم علاقتها الوثيقة بواشنطن، تجد لندن نفسها أقرب إلى مسرح الأحداث. تقارير نشرتها The Times أشارت إلى أن السماح باستخدام قواعد بريطانية لدعم العمليات الأمريكية وضع الحكومة في موقع حساس، بين حماية قواتها ومصالحها في المنطقة، وتجنب الانخراط المباشر في الحرب.
ولتأمين مواقعها، نشرت بريطانيا مقاتلات “تايفون” لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، وعززت تعاونها الدفاعي في مواجهة تهديدات الطائرات دون طيار. كما شاركت وحدات بريطانية في اعتراض مسيّرات متجهة نحو قواعد للتحالف في العراق وقطر. ورغم تأكيد لندن أن دورها دفاعي ومحدود، فإن استمرار الهجمات أو سقوط ضحايا بريطانيين قد يغيّر حسابات الحكومة ويدفعها إلى خيارات أكثر صعوبة.
من جانبها، رصدت لوموند تحركًا أوروبيًا حذرًا نحو بلورة موقف أوضح، بعد أيام من الترقب. بيان أوروبي مشترك وصف بعض الهجمات الإيرانية بأنها “غير متناسبة”، مع التشديد على ضرورة حماية المدنيين والحفاظ على الاستقرار الإقليمي. إلا أن ألمانيا وبريطانيا وفرنسا أكدت أن أي مشاركة عسكرية ستظل ضمن إطار دفاعي محدد، لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع طهران.
تعكس هذه التطورات واقعًا جديدًا في العلاقات الدولية، حيث تتحرك الولايات المتحدة بسرعة وبقرارات أحادية، بينما يحاول الأوروبيون اللحاق بالأحداث دون امتلاك أدوات ضغط فعالة. وبين الحاجة إلى حماية المصالح الأمنية والدفاعية، والرغبة في الحفاظ على مبادئ القانون الدولي، تبدو أوروبا عالقة في منطقة رمادية: ليست شريكًا كاملًا في الحرب، ولا قادرة على البقاء بعيدة عنها تمامًا.
في المحصلة، تكشف حرب إيران حدود النفوذ الأوروبي في عالم يتجه نحو تعددية مضطربة، حيث تتراجع القواعد التقليدية التي حكمت النظام الدولي لعقود. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل سيكتفي الأوروبيون بدور المراقب الحذر، أم أن تطورات الميدان ستجبرهم على الانتقال من الهامش إلى قلب المشهد؟