رسائل نار بين بيروت وتل أبيب

2026.03.02 - 07:21
Facebook Share
طباعة

 دخل التصعيد بين حزب الله وإسرائيل مرحلة أكثر حساسية، مع تبادل مكثف للضربات الصاروخية والجوية أعاد رسم مشهد التوتر على الحدود الجنوبية، وفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول احتمالات اتساع رقعة المواجهة.

فجر المشهد بدأ بإطلاق دفعة صاروخية من جنوب لبنان باتجاه شمال إسرائيل، في خطوة حملت أبعادًا تتجاوز الرد العسكري التقليدي. الرد الإسرائيلي جاء سريعًا عبر غارات جوية واسعة طالت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في الجنوب والبقاع، ما عكس جاهزية مسبقة للتعامل مع سيناريو تصعيدي مماثل.


رسائل تتجاوز الحدود
يرى مراقبون أن ما جرى لا يمكن فصله عن سياق إقليمي أوسع. فالحزب، في خطابه الأخير، ربط تحركه بتطورات إقليمية كبرى، معتبرًا أن المعادلة لم تعد محصورة بالجغرافيا اللبنانية. هذا الربط يحمل دلالة استراتيجية مفادها أن أي استهداف لحلفاء الحزب في المنطقة سينعكس مباشرة على الجبهة اللبنانية.

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي بدء تنفيذ خطة هجومية أُعدت سلفًا، ما يشير إلى أن تل أبيب كانت تتوقع مثل هذا التطور. سرعة الانتقال من الاحتواء إلى الضرب المكثف تعكس تحولًا في قواعد الاشتباك، أو على الأقل استعدادًا لإعادة رسمها.

شهادات من سكان الضاحية الجنوبية تحدثت عن ليلة وُصفت بأنها “الأعنف منذ أشهر”، حيث دوّت الانفجارات بشكل متتالٍ، فيما هرعت سيارات الإسعاف إلى مواقع الاستهداف. وفي قرى الجنوب، أفاد مواطنون بأن الغارات استهدفت أطراف بلداتهم ومحيط مناطق سكنية، ما أعاد إلى الأذهان مشاهد الحرب الأخيرة.


تحييد لبنان… جدل متجدد
داخليًا، عاد النقاش حول فكرة “تحييد لبنان” إلى الواجهة. أصوات سياسية اعتبرت أن الانخراط في أي مواجهة مفتوحة سيضع البلاد أمام أثمان باهظة، في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة. في المقابل، يطرح أنصار خيار الرد تساؤلًا مباشرًا: هل سيتوقف القصف الإسرائيلي إذا التزم لبنان الحياد؟

واقع الأشهر الماضية يظهر أن الخروقات لم تتوقف رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بعد جولات تصعيد متقطعة أعقبت عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. منذ ذلك الحين، بقيت الحدود ساحة اشتباك منخفض الوتيرة، لكنها قابلة للاشتعال في أي لحظة.


بنك أهداف مفتوح؟
خبراء عسكريون يشيرون إلى أن بنك الأهداف الإسرائيلي قد لا يقتصر على مواقع عسكرية بحتة، بل قد يتوسع ليشمل بنى تحتية حيوية بهدف ممارسة ضغط داخلي على لبنان. هذا الاحتمال يثير مخاوف جدية، خصوصًا مع هشاشة البنية التحتية اللبنانية أصلاً.

في المقابل، يؤكد الجيش الإسرائيلي أن معظم الصواريخ سقطت في مناطق مفتوحة، وأن منظومات الدفاع الجوي اعترضت بعضها، مشددًا على الاستعداد لمواجهة أي تهديد على مختلف الجبهات. هذا الخطاب يعكس رغبة في إظهار السيطرة، لكنه لا ينفي احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع إذا استمرت الضربات المتبادلة.


دورة تصعيد مفتوحة
المعضلة الأساسية تكمن في منطق “الفعل ورد الفعل”. كل ضربة تستدعي ردًا، وكل رد يفتح الباب أمام ضربة أوسع. هذه الدورة التصعيدية قد تبقى ضمن حدود مدروسة، لكنها تحمل في طياتها خطر الخطأ في الحسابات.

على المستوى الداخلي، الانقسام واضح. فبينما يعتبر فريق أن الرد ضرورة لفرض معادلة ردع، يرى آخرون أن الأولوية يجب أن تكون لحماية الاستقرار الداخلي ومنع انزلاق البلاد إلى حرب شاملة. اقتصاديًا، أي تصعيد كبير سيعمّق العزلة ويزيد الضغط على الليرة والأسواق، ويؤثر على ما تبقى من قطاعات إنتاجية وسياحية.

شهادات من بيروت والبقاع تعكس حالة قلق عام، مع تسارع وتيرة النزوح المؤقت من بعض القرى الحدودية. عائلات اختارت الانتقال إلى مناطق أكثر أمانًا تحسبًا لأي توسع في العمليات، فيما فضّل آخرون البقاء رغم المخاطر، معتبرين أن “الحياة لا تتوقف مع كل جولة”.


ما بعد الرسائل
في المحصلة، يبدو أن الرسالة الأساسية من التصعيد الأخير هي رفض استمرار معادلة الاستنزاف الصامت. الحزب يسعى إلى تثبيت معادلة مفادها أن أي استهداف لن يمر من دون رد، فيما تشير المؤشرات الإسرائيلية إلى أن الردود لن تكون رمزية، بل قد تتطور إلى حملة أوسع إذا رأت تل أبيب أن ميزان الردع اختل.

السيناريوهات تبقى مفتوحة بين احتواء سريع عبر وساطات سياسية، أو انزلاق تدريجي نحو مواجهة أوسع. وبين هذين الخيارين، يقف لبنان أمام لحظة دقيقة، حيث تتقاطع الحسابات المحلية بالإقليمية، وتُختبر قدرة الأطراف على ضبط إيقاع النار قبل أن تتسع دائرتها.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 7