في خطوة تهدف إلى توضيح ملابسات حادثة أثارت اهتماماً واسعاً في الشارع المحلي، أعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، يوم الأربعاء، تشكيل لجنة تحقيق بإدارة وإشراف فرع المباحث الجنائية، للنظر في أسباب وفاة المواطنة رابيا إسكندر شيحا، التي توفيت خلال عملية أمنية نفذتها قوات المهام الخاصة في منطقة بسنيا بريف جبلة.
وجاء الإعلان بعد أيام من تنفيذ عملية أمنية وصفت بالمزدوجة، استهدفت منطقتي بيت علوني وبسنيا في 24 شباط الجاري، ضمن تحرك أمني قالت الجهات المعنية إنه استند إلى عمليات رصد ومتابعة استمرت عدة أيام. وأكدت قيادة الأمن أن اللجنة باشرت أعمالها فور صدور القرار، بحضور الطبيب الشرعي الذي أجرى الكشف اللازم على الجثمان لتحديد سبب الوفاة بدقة، في وقت تم فيه تنفيذ كشف موقعي على مكان الاشتباك لجمع الأدلة والمعطيات المرتبطة بالحادثة.
وبحسب ما أُعلن رسمياً، فإن التحقيقات ما تزال مستمرة، وتهدف إلى الوصول إلى صورة كاملة وشاملة لما جرى خلال العملية، بما في ذلك تسلسل الأحداث وطبيعة الاشتباك والظروف التي أدت إلى وفاة السيدة. وأشارت الجهات المعنية إلى أن نتائج التحقيق ستُعلن فور استكمال الإجراءات القانونية والفنية اللازمة.
العملية الأمنية التي شهدتها المنطقة كانت قد استهدفت، وفق التصريحات الرسمية، مجموعة مسلحة وُصفت بأنها تنشط في الساحل تحت مسمى “سرايا الجواد”. وأوضح قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، العميد عبد العزيز الأحمد، أن العملية جاءت بعد متابعة دقيقة لتحركات المجموعة، وأن الاشتباكات التي دارت استمرت نحو ساعة كاملة.
وأشار الأحمد إلى أن القوات تمكنت خلال المواجهات من تحييد متزعم المجموعة، بشار عبد الله أبو رقية، إضافة إلى اثنين من قيادييها، وإلقاء القبض على ستة عناصر آخرين. كما تم تفجير مستودع أسلحة وعبوات ناسفة قالت الجهات الأمنية إنه كان تابعاً للمجموعة المستهدفة.
ورغم الطابع الأمني للعملية، فإن وفاة المواطنة رابيا شيحا أضفت بعداً إنسانياً حساساً على الحدث، ودفعت إلى مطالبات شعبية بضرورة توضيح ملابسات ما جرى وضمان الشفافية في عرض النتائج. ويؤكد متابعون أن تشكيل لجنة تحقيق رسمية يمثل خطوة أساسية في مسار المساءلة، خاصة عندما تقع خسائر بشرية خلال عمليات أمنية.
وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية في ظل الأوضاع الأمنية المعقدة التي تشهدها بعض المناطق، حيث تتقاطع ضرورات فرض الأمن مع حماية المدنيين وضمان عدم تعرضهم لأي أذى خلال العمليات الميدانية. ويشدد مختصون قانونيون على أن وجود الطبيب الشرعي ضمن إجراءات التحقيق يعزز من الطابع المهني للعملية، إذ يسهم في تقديم تقرير طبي محايد حول سبب الوفاة، سواء كان ناجماً عن إصابة مباشرة، أو عن ظروف أخرى رافقت الاشتباكات.
من جهتهم، عبّر عدد من الأهالي عن تطلعهم إلى نتائج واضحة وشفافة، مؤكدين أن معرفة الحقيقة كاملة من شأنها أن تعزز الثقة بين المجتمع والأجهزة المعنية، وتحد من انتشار الشائعات أو الروايات غير الموثقة. ويؤكد هؤلاء أن التعامل العلني مع مثل هذه الحوادث يبعث برسالة طمأنة مفادها أن أي حادثة يتم التعامل معها وفق الأطر القانونية المعتمدة.
في المقابل، يرى مراقبون أن العمليات الأمنية ضد المجموعات المسلحة تشكل تحدياً كبيراً في بيئات سكنية، حيث يصعب أحياناً عزل مسرح الاشتباك بشكل كامل عن المحيط المدني. وهذا ما يجعل إجراءات التخطيط المسبق، وتقييم المخاطر، والتنسيق الميداني، عوامل حاسمة في تقليل الخسائر غير المقصودة.
ومع استمرار التحقيقات، تبقى الأنظار متجهة إلى ما ستكشفه اللجنة من نتائج، سواء فيما يتعلق بالتفاصيل الفنية لسير العملية، أو بملابسات وفاة السيدة. ويأمل كثيرون أن يسهم هذا المسار في ترسيخ مبدأ الشفافية، وتأكيد التزام الجهات المعنية بمحاسبة أي تقصير إن وُجد، أو توضيح الصورة كاملة للرأي العام في حال ثبوت أن الوفاة جاءت في سياق الاشتباكات دون وجود تجاوزات.
المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في طي هذا الملف، إذ يرتبط الأمر ليس فقط بكشف حقيقة حادثة محددة، بل أيضاً بتعزيز معايير العمل المؤسسي في التعامل مع القضايا الحساسة التي تمس حياة المدنيين وأمن المجتمع في آن واحد. وبين مقتضيات الأمن وحقوق الأفراد، يبقى التحقيق الجاري اليوم اختباراً مهماً لقدرة المؤسسات على تحقيق التوازن المطلوب، وإظهار الحقيقة كما هي، بعيداً عن أي التباس.