تتجه الحكومة اللبنانية إلى توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص في خطوة تُثير جدلًا واسعًا، وسط اتهامات بمحاولة تمرير الاتفاقية بعيدًا عن المسار الدستوري الطبيعي، وبطريقة يعتبرها كثيرون “تنازلًا عن حقوق لبنان البحرية”. وقد كلّف مجلس الوزراء وزير الأشغال فايز رسامني بتوقيع الاتفاقية مع نظيره القبرصي، على أن يحضر التوقيع رئيس الجمهورية جوزيف عون والرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس.
هذه الخطوة اعتُبرت بالنسبة لعديد من القانونيين والسياسيين تجاوزًا واضحًا لمجلس النواب، إذ إن الاتفاقية، بحسب توصيفهم، تُعد من المعاهدات التي تستوجب عرضها على البرلمان قبل إبرامها نهائيًا، لأنها ترتبط بحقوق مالية للدولة ولا يمكن فسخها سنويًا.
تحذيرات نيابية ودعوات إلى التريّث
داخل مجلس النواب، تعالت الأصوات المطالِبة بوقف “التفريط” بالحقوق البحرية، والدفع نحو إعادة الاتفاقية إلى مسارها الدستوري الصحيح. لجان نيابية ناقشت الملف سابقًا مع خبراء محليين ودوليين، وخلصت إلى ضرورة التريّث في التوقيع وإجراء مزيد من التدقيق الفني والقانوني قبل المضي قدمًا.
وشدد نواب وخبراء قانونيون على أن الإبرام النهائي للاتفاقيات الدولية، وخصوصًا تلك التي تمسّ السيادة البحرية وموارد الدولة، هو من صلاحيات مجلس النواب حصراً، استنادًا إلى المادة 52 من الدستور. كما أكدوا أن مفاجأة خبر التوقيع العاجل تعكس تجاوزًا للمهل والنقاشات المطلوبة.
تفسير ملتبس لاستشارة وزارة العدل
استند مجلس الوزراء في قراره إلى استشارة صادرة عن هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، فُهم منها أن لمجلس الوزراء حق إبرام الاتفاقية بالأغلبية الموصوفة. غير أن خبراء دستوريين بيّنوا أن الاستشارة لم تُعالج صلاحية الإبرام النهائي، بل تناولت جانب توقيع الاتفاقية من حيث كونه من اختصاص رئيس الجمهورية بعد إبرامها في البرلمان، باعتبارها “معاهدة دولية” وفق المادتين 52 و65 من الدستور.
كما أن الاستشارة نفسها أشارت بوضوح إلى أن الاتفاقية من النوع الذي “لا يجوز فسخه سنة فسنة”، وهو ما يُلزم عرضها على البرلمان قبل إبرامها، بحسب نص المادة 52. ورغم ذلك، تجاهلت الحكومة مضمون هذا الجزء من الاستشارة، كما تجاهلت رأي وزارة الخارجية التي صنّفت الاتفاقية ضمن المعاهدات التي تحتاج موافقة مجلس النواب مسبقًا.
استبعاد الخبراء وتجاوز التوصيات السابقة
الجانب التقني من الملف لم يكن أقل إثارة للجدل؛ إذ إن اللجنة التي شكّلها لبنان في تموز الماضي لإنجاز الترسيم البحري مع قبرص استبعدت خبراء كانوا قد دعوا إلى تعديل اتفاقية عام 2007، التي لم تُبرَم برلمانيًا. وقد أنهت اللجنة عملها بسرعة كبيرة، متجاهلة توصيات لجنة سابقة شُكّلت عام 2022، والتي أوصت بإعادة التفاوض على الاتفاقية، واعتماد آلية ترسيم جديدة تستند إلى اجتهادات دولية، وتسجيل إحداثيات مُعدّلة لدى الأمم المتحدة، واللجوء إلى الهيئات التحكيمية المختصة في حال فشل التفاوض.
يرى متابعون للملف أن تجاهل هذه التوصيات يطرح تساؤلات حول سبب استعجال الحكومة، وما إذا كانت الاتفاقية بصيغتها الحالية تُلحق ضررًا مباشرًا بمساحة لبنان البحرية أو بثرواته الطبيعية.
لاتوقيع بلا قيمة قانونية؟
مصادر قانونية تُجمع على أن أي توقيع للاتفاقية من دون إبرامها في مجلس النواب يُفرغها من القيمة القانونية ويجعلها “كأنها لم تكن”. ويُرجّح قانونيون أن تلقى الاتفاقية المصير نفسه الذي لقته اتفاقية 2007، التي بقيت بلا مفعول لأنها لم تُبرَم نيابيًا.
واللافت أن ثمة مسارًا إضافيًا للرقابة قد يدخل على الخط، وهو ديوان المحاسبة، الذي يمتلك صلاحية محاسبة الوزراء في حال ثبت أن أعمالهم تسببت بخسارة مالية للدولة، أو تضمنت مخالفة لإجراءات موجبة. ويفتح ملف الترسيم احتمالين واضحين لتدخل الديوان:
مخالفة دستورية ذات أثر مالي: إذا تبيّن أن توقيع الاتفاقية من دون عرضها على مجلس النواب يشكّل مخالفة للمادة 52.
خسارة مالية مثبتة: إن قدّم خبراء أو جهات رسمية معطيات تشير إلى خسارة لبنان لمساحات بحرية أو مواقع يُحتمل أن تحتوي ثروات نفطية وغازية.
يُذكر أن النيابة العامة لدى الديوان يمكن أن تتحرك من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب من شخصيات رسمية أو نيابية، وفي حال وجود شبهة جرم جزائي، يحال الملف إلى الجهات القضائية المختصة.
ملف وطني أمام اختبار دستوري
في ظل هذه التطورات، يبرز سؤال جوهري:
هل ستتمكن السلطة التشريعية من منع تمرير اتفاقية تُثار حولها شبهات دستورية وتقنية ومالية واسعة؟
البلاد تقف اليوم أمام معاهدة تُرسم حدودًا وأقدارًا لعقود مقبلة، ومسؤولية حمايتها من التفريط تقع على عاتق مؤسسات الدولة جميعها، قبل أن تصبح القضية نزاعًا آخر يُضاف إلى ملفات لبنان الشائكة.