في الوقت الذي يرفع فيه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مستوى تهديداته، متجاوزاً الحدود اللبنانية إلى عواصم عربية وإسلامية بحجّة أنها باتت تشكّل تهديداً مباشراً لكيانه، عاد ليعيد التذكير بما يصفه بالخطر المتصاعد في إيران واليمن، وبأنّ حزب الله يعمل على إعادة بناء قدراته العسكرية. هذه المقاربة تزامنت مع موقف لافت للرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تحدّث إلى قناة «فوكس نيوز»، حيث قال إن إدارته «بدّدت الغيمة السوداء عن الشرق الأوسط عبر تقليص نفوذ إيران»، معتبراً أنّ «حزب الله ليس في وضع جيد»، ومشيراً إلى إمكانية التوصّل إلى اتفاق مع طهران.
نتنياهو من جهته، وفي حديث عبر قناة على منصة «تيليغرام»، تناول الوضع اللبناني بصورة مكثّفة، قائلاً إنّ إسرائيل خلال الحرب الأخيرة انتقلت إلى «سياسة المبادرة والهجوم والقوة بدل الاحتواء»، وإن هذا التحوّل أدى إلى «تغيير جذري» في مقاربة الشمال. وأكد أنّ التهديد الذي يشكّله حزب الله بعد السابع من أكتوبر «لم يعد يشبه ما كان قبل ذلك»، رغم إقراره بأن الحزب قادر على إعادة بناء قوّته، متعهداً بأن إسرائيل «لن تسمح بتطوّر هذا التهديد»، في إشارة إلى سياسة أكثر هجومية ونشطة ممّا سبق.
صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية نشرت مقالاً للكاتب عاموس هرئيل، كشف فيه أنّ الساحة اللبنانية كانت تُعدّ حتى أشهر قليلة «قصة نجاح إسرائيلية – أميركية»، حيث كانت إسرائيل، خلافاً لما جرى في هجوم «حماس» في السابع من أكتوبر، صاحبة المبادرة في الشمال. ويقول هرئيل إنّ حزب الله «أخطأ آنذاك في قراءة نيات إسرائيل»، ما أدى برأيه إلى «فشل عسكري كبير» للحزب، بينما بدا أنّ الحكومة والجيش في بيروت، بقيادة جديدة وبدفع أميركي، مستعدان للمرة الأولى لمواجهة حزب الله ومحاولة نزع سلاحه، خصوصاً جنوب نهر الليطاني.
لكن هذه الرواية، كما يقول هرئيل، «تبخّرت تدريجياً خلال الصيف»، بعدما تبيّن أنّ حزب الله «خصم عنيد وأكثر دهاءً بكثير مما توقّعته واشنطن». فقد رفض الخضوع للضغوط، واستأنف تعزيز تسلّحه وتكثيف حضوره السرّي حتى في المناطق الواقعة جنوب الليطاني. ويتحدّث الكاتب عن مؤشرات إسرائيلية إلى تصعيد مقبل، وعن استعداد الجيش لخوض «أيّام قليلة من الاشتباكات المركّزة» بهدف إعادة العمل بمحاولات فرض القيود على الحزب. ويرى هرئيل أنه إذا اندلعت معركة في لبنان، فستكون على الأغلب «بعد حصول نتنياهو على ضوء أخضر من دونالد ترامب»، وربما في إطار ضغط أميركي معلن على الحكومة اللبنانية لدفعها إلى تقديم تنازلات جديدة.
وفي موازاة ذلك، تشير المصادر المتابعة في بيروت إلى حملة إسرائيلية متصاعدة على مستوى الدعاية الإعلامية، إذ يقرّ مراسلون عسكريون إسرائيليون بأن الجيش نفسه يزوّدهم بالمعطيات ويطلب منهم نشرها، كما تفيد معلومات بأن السفارات الغربية في لبنان تتلقّى تقارير مباشرة من إسرائيل تحت عنوان «خروقات حزب الله لاتفاق وقف إطلاق النار».
ويذهب دبلوماسيون إلى القول إنّ ما يجري يشكّل محاولة إسرائيلية لصياغة ملف اتهام سياسي ـ قانوني ضد لبنان، يقوم على فكرة أنّ حزب الله لم ينسحب شمال الليطاني، وأنه يعيد التسلّح وبناء منظومات صاروخية دقيقة، في وقت يُتّهم فيه الجيش اللبناني بالعجز أو التواطؤ، بينما تظهر «اليونيفيل» بموقع العاجز عن تنفيذ مهمّاتها، ويُقدَّم لبنان الرسمي في الخطاب الإسرائيلي ـ الأميركي كجهة «تضلّل واشنطن».
وبحسب التقديرات الإسرائيلية، يجري إعداد الجمهور داخل الكيان والرأي العام الخارجي لـ«حرب جديدة» على لبنان، انطلاقاً من القول إنّ المسار السياسي والأممي قد استُنفد، وإنّ القوة العسكرية باتت الخيار الوحيد لـ«تنفيذ القرار 1701 ونزع سلاح حزب الله». وتضاف إلى ذلك توقعات باستمرار سياسة الاستنزاف عبر الغارات، مع احتمالات توسيعها نحو عمليات أعمق قد تمتد إلى الضاحية الجنوبية أو البقاع.
مع ذلك، يحذّر مراقبون من تجاهل مجموعة عوامل إقليمية ودولية وداخلية في إسرائيل نفسها، يمكن أن تكبح اندفاع حكومة نتنياهو. فالإدارة الأميركية لا تزال تعلن رفضها توسيع رقعة الحرب في المنطقة، بينما يخشى كثيرون في الداخل الإسرائيلي أن تؤدي أي مواجهة واسعة مع حزب الله إلى اضطراب داخلي عميق، بالنظر إلى قدرة الحزب على شلّ الجبهة الداخلية إذا طال أمد الحرب.
وفي السياق نفسه، نشرت صحيفة «معاريف» تقريراً أكدت فيه أنّ التوتر الأمني في لبنان قد يشهد تصعيداً خلال الأيام المقبلة، مشيرة إلى أنّ إسرائيل وضعت «خطاً أحمر واضحاً» يقضي بعدم السماح لأي جهة معادية، في الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الضفة الغربية أو خط التماس، بأن تطوّر قدراتها العسكرية بما يهدّدها. ورأت الصحيفة أنّ العمليات التي نفّذتها إسرائيل في لبنان خلال العام الأخير تأتي ضمن هذا الإطار، كجزء من استراتيجية منع خصومها من مراكمة قوة إضافية تشكّل خطراً مباشراً عليها.