رغم الهدوء الهش الذي يسود الحدود اللبنانية الإسرائيلية منذ اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، لا تزال الغارات الإسرائيلية على الجنوب اللبناني تضع الحكومة في بيروت أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية. وفي خضم هذا المشهد، عاد الرئيس اللبناني جوزيف عون للتأكيد على ضرورة خيار التفاوض مع إسرائيل، معتبرًا أن “منطق القوة لم يعد ينفع، بل يجب الذهاب إلى قوة المنطق”.
تصريحات في لحظة متوترة
خلال لقائه وفدًا من نقابة المحررين اللبنانيين الأربعاء، قال عون إن بلاده لم تتلقَّ أي رد من إسرائيل عبر الوسيط الأميركي بشأن مقترح التفاوض لتحرير الأراضي اللبنانية المحتلة. وأضاف أن “الدعوة إلى الحوار الداخلي قبل الانتخابات النيابية هي حوار طرشان”، مشددًا على أن الاستحقاق الانتخابي سيجري في موعده رغم محاولات التأجيل.
كما دافع عن موقف بلاده من الأزمة المالية قائلاً إن حقوق المودعين خط أحمر، رافضًا ما سماه “الكلام غير المبرر عن تلزيم لبنان لسوريا”.
حزب الله... بين موقف الرفض وضغط الواقع
لكن حديث الرئيس اللبناني عن التفاوض يضعه في مواجهة غير مباشرة مع حزب الله، الذي اعتبر الأسبوع الماضي أن أي حوار مع إسرائيل “فخ سياسي” يراد منه نزع سلاح المقاومة تدريجيًا. الحزب، الذي لا يزال يتمتع بنفوذ عسكري واسع جنوب نهر الليطاني رغم بنود اتفاق وقف النار، يرى أن أي تفاوض مع تل أبيب يعني إضفاء شرعية على الاحتلال، وهو ما يرفضه مبدئيًا.
في المقابل، أكد عون أن “حزب الله لا يتعاطى في منطقة جنوب الليطاني”، مشيرًا إلى أن الجيش اللبناني “يقوم بعمل جبّار في الجنوب وسائر المناطق”، في محاولة لتأكيد سيادة الدولة على أراضيها، رغم الانتقادات الداخلية التي تتهم الجيش بالتغاضي عن نشاطات الحزب العسكرية في تلك المنطقة.
ضغوط أميركية وتحفظ داخلي
من جهته، يواصل الموفد الأميركي توم براك الضغط على بيروت للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، معتبرًا أن الحوار غير المباشر لم يعد كافيًا بعد مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته واشنطن في نوفمبر الماضي.
الاتفاق نصّ على وقف العمليات العسكرية وانسحاب حزب الله جنوب الليطاني، مقابل انسحاب القوات الإسرائيلية من خمس نقاط حدودية لا تزال تحت سيطرتها حتى الآن. لكن إسرائيل تبرر بقاءها بوجود “نشاطات لحزب الله”، وتواصل شن غارات جوية متفرقة على مواقع تزعم أنها تابعة له.
الجيش بين “الواقع” والسيادة
الجيش اللبناني، الذي يحاول فرض حد أدنى من الاستقرار جنوب البلاد، يجد نفسه محاصرًا بين طرفين: ضغط داخلي يطالبه بحماية السيادة الكاملة، وضغوط خارجية تحثه على مواجهة حزب الله. ويبدو أن عون يحاول الموازنة بين هذين الاتجاهين بتبني خطاب “قوة المنطق” لتجنب صدام مباشر مع الحزب أو مع إسرائيل.
اتفاق هش وأفق مسدود
منذ اتفاق الهدنة الأميركي في نوفمبر 2024، لم يُترجم الانسحاب الإسرائيلي الموعود على الأرض، كما لم يبدأ أي مسار تفاوضي فعلي بين الجانبين. وفي المقابل، يتواصل الجمود السياسي في بيروت وسط أزمة اقتصادية خانقة وانقسام داخلي حول دور حزب الله وسلاحه.
وبينما تراهن بعض الأوساط اللبنانية على أن المفاوضات قد تفتح الباب أمام استعادة الأراضي المحتلة في مزارع شبعا وكفرشوبا، يرى آخرون أن إسرائيل تستخدم الغارات المستمرة لإبقاء الضغط مفتوحًا على الحزب والدولة اللبنانية معًا.
في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو دعوة الرئيس عون إلى “قوة المنطق” محاولة لتقديم خيار ثالث بين الحرب والاستسلام، لكنه خيار محفوف بالمخاطر، ما لم يتبلور موقف لبناني موحد تجاه إسرائيل ودور حزب الله في الجنوب.
أما إسرائيل، فتبقى مستفيدة من انقسام الداخل اللبناني، مستمرة في فرض وقائع ميدانية تجعل من التفاوض – حتى لو بدأ – مجرد إدارة للأزمة، لا حلًّا لها.