في تطور ميداني خطير يعيد إلى الأذهان سيناريو "المنطقة الأمنية" التي أقامتها إسرائيل في جنوب لبنان خلال التسعينيات، كشفت تقارير صحفية عبرية ولبنانية عن شروع الجيش الإسرائيلي في بناء جدار إسمنتي ضخم بعمق كيلومترين داخل الأراضي اللبنانية، خلف الخط الأزرق الذي حددته الأمم المتحدة بعد انسحاب عام 2000.
الخطوة، التي وُصفت بأنها "توسعية ومخالفة للقانون الدولي"، أثارت موجة استنكار في الأوساط اللبنانية، واعتُبرت مؤشرًا على نية تل أبيب فرض أمر واقع جديد على الحدود، مستفيدة من الهدوء النسبي بعد اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024.
بحسب صحيفة يديعوت أحرونوت، يمتد الجدار الجديد على طول المنطقة المقابلة لبلدتي مارون الراس وعيترون اللبنانيتين، ويُرجح أن يكون جزءًا من خطة إسرائيلية لبسط السيطرة على خمسة مواقع استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية.
صور ومقاطع مصورة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أظهرت جرافات إسرائيلية وجنودًا مدججين بالسلاح يقومون بأعمال صبّ خرسانة وتثبيت كتل إسمنتية ضخمة على امتداد الحدود، في مشهد يعكس تصميمًا واضحًا على فرض خطوط تماس جديدة تتجاوز ما أقرّته الأمم المتحدة.
وتشير مصادر أمنية لبنانية إلى أن بعض أجزاء الجدار تمتد لمسافة كيلومترين داخل لبنان، ما يشكل خرقًا فاضحًا للسيادة اللبنانية وللقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عام 2006، والذي نصّ على انسحاب إسرائيل الكامل إلى ما وراء الخط الأزرق.
التحركات الإسرائيلية جاءت في سياق تصعيد ميداني متجدد، إذ كثف الجيش الإسرائيلي غاراته الجوية خلال الأسابيع الأخيرة على مناطق جنوب لبنان، زاعمًا استهداف مواقع تابعة لـ"حزب الله"، فيما ردّت المقاومة بقصف مواقع إسرائيلية في الجليل الأعلى ومزارع شبعا.
محللون اعتبروا بناء الجدار محاولة إسرائيلية لترسيخ "مكاسب ميدانية" تحققت خلال الحرب الأخيرة، وتهيئة لمرحلة جديدة من الاحتلال غير المعلن، مستفيدة من غموض اتفاق وقف إطلاق النار الذي لم يحدد بوضوح حدود انسحاب القوات الإسرائيلية من "النقاط الرمادية" داخل الجنوب.
تاريخيًا، اعتمدت إسرائيل على بناء الجدران والحواجز الخرسانية كجزء من عقيدتها الأمنية، سواء في الضفة الغربية أو على حدود غزة ومصر. لكن نقل هذه السياسة إلى داخل الأراضي اللبنانية يمثل سابقة منذ انسحابها عام 2000، ويؤشر إلى تحول في قواعد الاشتباك على الجبهة الشمالية.
في المقابل، شدد مسؤولون لبنانيون على أن الجيش اللبناني و"اليونيفيل" سيرفعان تقارير عاجلة إلى الأمم المتحدة بشأن الخرق، وسط تحذيرات من أن استمرار التوغلات قد يفجّر مواجهة جديدة، لا سيما في ظل التصريحات الإسرائيلية التي تلوّح بـ"منطقة أمنية معزولة" تمتد لعدة كيلومترات داخل الجنوب اللبناني.
بناء الجدار الإسرائيلي في عمق الأراضي اللبنانية ليس مجرد خطوة هندسية، بل رسالة سياسية وأمنية مزدوجة مفادها أن تل أبيب لا تعترف بحدود 2000 ولا تلتزم بقرار 1701.
وفي المقابل، يجد لبنان نفسه أمام اختبار جديد لسيادته ووحدة موقفه الداخلي، بينما تترقب المنطقة ما إذا كانت هذه الخطوة مقدمة لمرحلة "احتلال رمادي" جديد تحت عنوان "الأمن الوقائي الإسرائيلي".
أهداف الجدار الإسرائيلي في لبنان
من منظور أمني، يُظهر الجدار الجديد أن إسرائيل تسعى إلى فرض سيطرة مباشرة على النقاط الاستراتيجية داخل الجنوب اللبناني، وتحديدًا المناطق التي يمكن أن تستخدمها المقاومة في إطلاق صواريخ أو التخطيط لعمليات ضد الجليل الأعلى.
الجدار لا يقتصر على كونه حاجزًا فيزيائيًا، بل يمثل منظومة مراقبة متقدمة تشمل مواقع مراقبة وإمكانية تثبيت أجهزة رصد إلكترونية، ما يتيح للجيش الإسرائيلي:
تتبع تحركات المقاومة بدقة أكبر داخل المناطق التي تعتبرها "خطراً استراتيجياً".
فصل المناطق اللبنانية الحساسة عن بعضها، ما يعيق قدرة حزب الله على التنقل أو تنظيم عمليات عسكرية في حال تصعيد النزاع.
فرض خطوط تماس جديدة تُعتبر بمثابة "منطقة عازلة" تحت سيطرة إسرائيل، وهو ما يعطيها هامش تحرك أكبر دون مواجهة مباشرة مستمرة مع الجيش اللبناني.
المحللون يرون أن الجدار هو جزء من خطة شاملة لتغيير قواعد الاشتباك على الحدود الشمالية، وتهيئة ظروف استباقية تمنح إسرائيل القدرة على الرد العسكري بسرعة، دون الحاجة إلى تدخل واسع النطاق، وبالتالي تقليل المخاطر على أراضيها.