التداعيات الأمنية المؤسسية للاضطرابات في مجلس الامن القومي الاميركي

2025.04.06 - 10:03
Facebook Share
طباعة

 شهد مجلس الأمن القومي (NSC) بالبيت الأبيض إقالة ما لا يقل عن ستة من كبار مسؤوليه ومستشاريه دفعةً واحدة في أوائل أبريل 2025، في أول حملة تطهير كبرى ضمن إدارة ترامب الثانية. من بين المقالين مدراء رفيعو المستوى مختصون بالتكنولوجيا والأمن السيبراني، والاستخبارات، والشؤون التشريعية، مما خلّف فراغًا في مواقع حسّاسة معنية بتنسيق السياسات الأمنية. جاءت هذه الخطوة في لحظة جيوسياسية حرجة تواجه فيها الإدارة أزمات دولية معقدة – منها تصاعد التوترات التجارية عالميًا ومساعٍ متعثرة لإنهاء حرب أوكرانيا – الأمر الذي أثار تساؤلات حول تأثير هذه التغييرات على جاهزية صنع القرار الأمني.
الأسباب المعلنة لهذه الإقالات شملت مشكلات في التحريات الأمنية الخلفية وتسريبات للإعلام. غير أن مصادر مطلعة أكدت أن الإقالات استهدفت أساسًا مسؤولين كانت آراؤهم أكثر تدخلية مما يرغبه حلفاء ترامب، أي أنهم يميلون لسياسات خارجية نشطة أو معارضة لنهج ترامب، ما أثار شكوكًا بأن معيار “الولاء السياسي” طغى على اعتبارات الخبرة والكفاءة. فعلى سبيل المثال، صرّح ترامب نفسه عند سؤاله عن هذه الإقالات: "نتخلّى أحيانًا عن أشخاص لا نحبّهم"، مما يوحي بأن عدم انسجام بعض المسؤولين مع توجهات الرئيس كان كافيًا لإبعادهم. هذا النهج ينطوي على مخاطر أمنية مؤسسية؛ إذ إن إحلال الولاء محل الخبرة قد يُضعف استقلالية التحليل الأمني داخل المؤسسات ويثني أصحاب الخبرة عن تقديم المشورة الصادقة خوفًا من الإقصاء. وقد حذّر مطّلعون من أن إقالة كوادر متمرّسة بشكل تعسفي تجعل البلاد “أقل أمنًا” على المدى البعيد، خاصة عندما يُستهدف مسؤولون مشهود لهم بالكفاءة لمجرد التزامهم بالقانون أو اختلاف آرائهم.
تجلّى تسييس الوظائف الأمنية أيضًا في الملابسات غير التقليدية التي أحاطت بهذه القرارات. فقبل يوم واحد من موجة الإقالات، اجتمع ترامب بالناشطة اليمينية المتطرفة لورا لومر في المكتب البيضاوي، حيث حثّت الرئيس صراحةً على طرد عدد من موظفي مجلس الأمن القومي الذين اعتبرتهم “غير موالين”. وقد زوّدت لومر الرئيس بقائمة أسماء مبنية على "تحقيقاتها" الخاصة، وأعلنت عبر منصة X (تويتر سابقًا) فخرها بأنها قدمت نتائج بحثها لترامب. وبالفعل، تزامنت إقالات الـNSC مع هذا اللقاء، ما أوحى بوجود تأثير مباشر للضغوط السياسية الخارجية على قرارات تتعلق بجوهر الأمن القومي. يُذكر أن من حضروا اجتماع لومر مع ترامب شملوا نائب الرئيس جاي دي فانس، ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ومستشار الأمن القومي مايك والتز، في حين أكدت مصادر أخرى أن بعض الإقالات كان مخططًا لها حتى قبل لقاء لومر. رغم ذلك، فإن تقارب دوائر صنع القرار الأمني مع شخصيات تُعرف بترويج نظريات المؤامرة يمثل سابقة مقلقة تؤثر سلبًا على مهنية واستقلالية الأجهزة الأمنية.
اللافت أيضًا أن هذه التطورات جاءت بالتوازي مع تغيرات أخرى طالت قمة هرم الأجهزة الأمنية: فقد أقالت إدارة ترامب بشكل مفاجئ مدير وكالة الأمن القومي (NSA) الجنرال تيموثي هوغ ونائبته ويندي نوبل. شكّل هذا القرار صدمة في البنتاغون وأثار تساؤلات حيال دوافعه، لا سيما أنه أعقب ما عُرف بـ“فضيحة سيغنال” – تسريب محادثة سرية على تطبيق Signal بين مسؤولين كبار حول خطة ضرب أهداف حوثية في اليمن. ورغم أن ترامب دافع عن مستشار أمنه القومي مايك والتز ووزير دفاعه بيت هيغسيث فيما يتعلق بتلك الفضيحة، اختار في المقابل إطاحة الجنرال هوغ الذي لم يُتهم مباشرةً في التسريب. تقارير صحفية متعددة أشارت إلى أن لورا لومر نفسها اقترحت إقالة هوغ ضمن قائمتها. وقد أكد متحدث البنتاغون نبأ استبعاد الجنرال هوغ مكتفيًا بشكره على خدمته، بينما اعتبر أعضاء في الكونغرس هذه الخطوة جزءًا من حملة تطهير أوسع تطال مسؤولي الأمن وتعرّض فعالية القيادة الاستخبارية للخطر. مثل هذه التحركات تعزّز الانطباع بأن الكفاءة المهنية باتت ثانوية أمام الحسابات السياسية، مما قد يضعف الثقة الداخلية في المؤسسات الأمنية، ويحدّ من قدرتها على اتخاذ قرارات حصيفة وسريعة في الأزمات خشية التعرض لعملية تطهير مماثلة.
تكشف إقالات عام 2025 في مجلس الأمن القومي الأميركي عن تصاعد غير مسبوق في تسييس المؤسسات الأمنية، وتحويل معايير التوظيف والعزل إلى أدوات لترسيخ الولاء الشخصي بدلاً من الكفاءة. وقد ترتّب على ذلك تداعيات أمنية خطيرة أبرزها تآكل استقلالية التحليل الاستخباري، وغياب التنوع الفكري في دوائر القرار، إلى جانب تفريغ المواقع الحساسة من الخبرات اللازمة. أما على الصعيد الدستوري، فقد مثّلت هذه الإقالات تحديًا مباشراً لمبدأ الفصل بين السلطات، وأظهرت ميلاً واضحًا لتعزيز السلطة التنفيذية على حساب استقلالية المؤسسات، مع تورط أطراف غير رسمية (مثل إيلون ماسك) في قرارات استراتيجية دون رقابة تشريعية. مستقبل توازن القوى في النظام الأميركي سيتوقف على كيفية استجابة القضاء لهذه التطورات.
ملحق زمني للأحداث الرئيسية (2025)
التاريخ الحدث
يناير 2025 بدء ولاية ترامب الثانية وتعيين إيلون ماسك رئيسًا للجنة الكفاءة الحكومية
مارس 2025 تسريبات صحفية عن لقاءات سرية وتحقيقات داخلية في مجلس الأمن القومي
1 أبريل 2025 اجتماع ترامب مع الناشطة اليمينية لورا لومر وتقديم قائمة بعزل مسؤولين
2 أبريل 2025 إقالة 6 مسؤولين كبار من مجلس الأمن القومي دفعة واحدة
4 أبريل 2025 إقالة الجنرال تيموثي هوغ (NSA) ونائبته ويندي نوبل
أبريل 2025 دعاوى قضائية تتعلق بتدخل ماسك في الوكالات الفدرالية واستقالات جماعية

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 2