الخميس 20 فبراير 2014 08:27
Share/Save/Bookmark
 
ماهر العظمة
كيف أحيل الملف النووي السوري إلى مجلس الأمن؟ (١)
سوريا (آسيا): ليست بطولة من إليوت أبرامز، النائب السابق لمستشار الأمن القومي الأمريكي، أن يسرد قصة قصف إسرائيل لمفاعل دير الزور عام ٢٠٠٧ كما فصّلها في كتابه (اختبار صهيون)، فلو ان أبرامز عرف كيف تجري الأمور في سوريا لضحك ملء شدقيه من البطولة التي ادّعاها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت في كشفه "للنشاط النووي السوري" ولمفاعل الخبر في دير الزور، أو أنه كان يضحك في الأصل على قرّائه وهو يروي لهم من بنات أفكاره عن قصص سرية وبطولات استخباراتية وهمية كشفت أمراً عظيماً، وهو يعرف بتفاصيلها منذ ولادتها وتعلّمها المشي.
كيف أحيل الملف النووي السوري إلى مجلس الأمن؟ (١)
 
 
بناء المعطيات بمعلومات مجانية
بدأت قصة "النشاط النووي السوري" في العام ٢٠٠٣، عندما جاء فريق من المفتشين الدوليين التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية لأخذ عيّنات بيئية من جوار مفاعل الأبحاث السوري (منسر) جنوب دمشق، ولم يجد الفريق يومها أي آثار لليورانيوم في المسحات أو العينات البيئية التي أخذها. لكن فريقاً جديداً من المفتشين جاء إلى سوريا في العام ٢٠٠٥ وأخذ عينات بيئية أخرى من جوار المفاعل، واكتشف بنتيجة تحاليله وجود آثار لليورانيوم المعالج حرارياً في العينات المأخوذة، وعندما عرض فريق المفتّشين الدوليين النتائج على الدكتور إبراهيم عثمان مدير عام هيئة الطاقة الذرية، أنكر وجود أي أنشطة نووية، وأن خطأ ما قد وقع في التحاليل التي أجروها. ثم عاد فريق آخر في العام ٢٠٠٧ إلى المركز نفسه (منسر) وقام بأخذ عينات جديدة، فحصل على نفس النتائج التي حصل عليها في عام ٢٠٠٥، وهي وجود آثار لليورانيوم المعالج حرارياً. وعندما سأل فريق المفتشين مدير هيئة الطاقة الذرية في سوريا عن الأمر أجابهم ان الهيئة "لم تقم بأي تجارب للطلبة في العامين الماضيين وإنما قامت بتجربة لأحد الطلاب في عام ٢٠٠٣"، وهذا الجواب كان اعترافاً بما أنكره قبل عامين، بل إنه أدلى باعتراف جديد لم يسأل عنه أصلاً، وهو تجربة عام ٢٠٠٣، وهو ما أعطى المفتشين أول جرعة شكوك عن نشاط سري غير معلن. 

الجرعة الثانية التي حفزت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على الشكوك بسوريا، كانت من قسم الهندسة النووية، إذ قدّم د. خالد حداد ورقة علمية للنشر في مجلة علمية دولية، وفي هذه الورقة بيانات ونتائج لتجارب على مواد مشعة أكد أن عمله العلمي قد تم إنجازه في سوريا باستخدام المفاعل السوري. 


وبعد أن عرض المشرفون على المجلة الأمر على الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أثيرت عدة تساؤلات وملاحظات حول الموضوع، وكان أولها أن الورقة المقدمة "لا يتوافق طيفها مع طيف المادة المعلن عنها من شركة "Merck" كما قال مقدم الورقة، لأنه لا يمكن الحصول على بنية الطيف الذي أورده خالد حداد باستخدام المسرع الموجود في الهيئة السورية، وإنما يحتاج الحصول على هكذا طيوف إلى استطاعات عالية غير متوفّرة رسمياً في سوريا ولا يمكن لمركز (منسر) تحقيقها، فبدأت شكوك وأسئلة جديدة عن وجود مفاعل باستطاعات أعلى في سوريا. وما زاد هذه الشكوك أن خالد حداد عندما سئل عن الأمر ناقض ما أورده في بحثه عن أن العمل تم إنجازه في سوريا وادعى ان الدراسة والنتائج كان قد أجراها في روسيا وذلك في رسالة الدكتوراه الخاصة به.
 

وهنا بدأ سيل التساؤلات من الوكالة حول مصداقية الجانب السوري في الملف النووي، وبدأت الاتهامات من قبل الوكالة عن نشاطات نووية غير معلنة وعن مفاعلات سرية وعن وثائق مخبأة وعن كميات اليورانيوم الموجودة خارج إطار ضمانات الوكالة. وكل هذه الاتهامات بنتها الوكالة بناء على استهتار ولامبالاة بعض العاملين في الهيئة التي اعتبر مديرها العام أن ما قام به الدكتور خالد حداد "خطأ عادي"، وهو على ما يبدو شبيه بخطأ المدير العام في أجوبته المتناقضة، وأصبح حداد نائب رئيس قسم الوقاية الإشعاعية بعد الخطأ. (صورة١) 

تساؤلات محيّرة
في الهيئة ثلاثة أشخاص هم مخولون بإدخال عينات مشعة إلى سوريا، وذلك بحسب آلية ضمان الجودة المتبعة في الهيئة لتنظيم العمل وإجراء القياسات، وهؤلاء الثلاثة هم المدير العام د. إبراهيم عثمان ورئيس قسم الهندسة النووية د. إبراهيم خميس والمحلل في المخبر الفني أحمد سرحيل. 

والسؤال هو كيف أصبح د. إبراهيم خميس خبيراً في قسم المفاعلات لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد قصف موقع دير الزور بأشهر؟ ألأنه سوري من مدينة حماه، أم لأنه درس في الولايات المتحدة الأميركية وكوفئ على خدماته؟
السؤال الأخطر هو عن موضوع الضمانات الذي يعد ورقة ضغط دائمة على سوريا، ومن كان يتولّى هذا الأمر هما د. ابراهيم خميس والمهندس عبد الغني شخاشيرو، وكلاهما الآن خارج سوريا ويلقيان كل رعاية من الوكالة الدولية للطاقة الذرية ويعملان فيها، الأول خرج من سوريا بشكل نظامي والآخر هرب منها وقامت الوكالة برعايته. فالوكالة تؤكد على أن سوريا قامت بأعمال مخالفة لاتفاقية الضمانات، وتذكر أسماء مواقع غير معروفة؟؟!! 

تساؤل آخر عن أمر الضمانات يثيره نشر مجلة " journal of plant biology research" مجلدها الأول في العام ٢٠١٢ والذي يحوي أربعة أعداد تحتوي على ٢٣ مقالة، ١٧ مقالة منها تعود لأحد الأقسام في الهيئة السورية، كما أن العدد الثالث مقر بالكامل لهذا القسم و١٥ مقالة منها تعود لباحث واحد. فكيف أمكن أن تنشر مجلة علمية محكمة هذا الكم من المقالات لجهة سورية؟؟ 

السائق الذي أحال الملف النووي السوري إلى مجلس الأمن؟
في أيار العام ٢٠٠١ شاركت سوريا في أعمال مجلس المحافظين في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقد كان الوفد السوري ممثلاً في المدير العام للهيئة السورية ابراهيم عثمان ورئيسة مكتب الضمانات النووية مها عبد الرحيم وسائق المدير العام للهيئة واسمه بسام الشيخ محمد. فقد ذهب سائق سيارة للمساهمة في أعمال هذا المجلس وحضر اجتماعاته، وهو ما يدلّ على روح المسؤولية العالية التي يتمتع بها هذا المدير ورئيس الوزراء الذي كلفه بالمهمة وكل الحريصين على أمن سوريا الذين استبعدوا كل الخبراء والتقنيين السوريين من ان يكونوا في الوفد السوري من أجل أن تصرف المهمات لمن سيحيل ملف سوريا النووي إلى مجلس الأمن الدولي، وقد أحيل الملف بعد هذا الاجتماع. (صورة٢) 

المفارقة أن مدير هيئة الطاقة الذرية قد أخفى ماهية عمل السائق واكتفى بالإشارة إلى أنه"من العاملين في هيئة الطاقة الذرية" (صورة٣)، كما أن رئيس الوزراء لم يكلف نفسه عناء السؤال عن مستوى وفد علمي بهذه الحساسية وهذه الدرجة من الخطورة على البلاد، إضافة إلى ان القائمين والمتابعين لأعمال الهيئة من أمنيين وغيرهم لم يدققوا بسوية ممثلي سوريا إلى هذا الاجتماع التي كانت نتيجته على النحو الذي تعيشه سوريا اليوم، وبدون أن يسأل احد منهم لماذا وصلت النتيجة إلى هنا؟؟ 





رمز الوثيقة: 88290
Share/Save/Bookmark