الخميس 20 فبراير 2014 09:54
Share/Save/Bookmark
 
ماهر العظمة
كيف أحيل الملف النووي السوري إلى مجلس الأمن؟ (٢)
سوريا (آسيا) : تألف الوفد السوري إلى اجتماعات أعمال مجلس المحافظين في الوكالة الدولية للطاقة الذرية من ثلاثة أشخاص، كما أسلفنا، المدير وسائقه والمهندسة مها عبد الرحيم رئيس مكتب الضمانات النووية، ومن الواضح أن وجودها في الوفد السوري ليس لأنها كفاءة علمية أو خبرة متميّزة، بل لأن لها حيثية خاصة مع مدير الهيئة يبدو أن لها علاقة بوضع الهيئة ككل.
كيف أحيل الملف النووي السوري إلى مجلس الأمن؟ (٢)
 
 
فالمكتب الذي ترأسه منذ عشرين عاماً تقريباً لا يوجد فيه أي موظف أو خبير آخر سواها. يعني أن المكتب المسؤول عن جميع الاتفاقات النووية الموقعة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية مسؤول عنه شخص واحد لا أحد يعرف كيف تجري الأمور داخله إلا مدير المكتب والمدير العام للهيئة. وبالتالي لا يعرف السبب وراء اختيارها لهذه المهمة التي كانت وبالاً على سوريا إلا من اختارها وسائقه لإحالة الملف النووي السوري إلى مجلس الأمن الدولي.


هيئة الطاقة الذرية والسوق السوداء

ليست مها عبد الرحيم من تحصر بها المهام الخاصة في الهيئة، فهناك مهندس اسمه بسام عيون الذي يشغل عدة مناصب في الهيئة ومنها، رئيس دائرة الاتصالات ورئيس المراكز الحدودية ورئيس دائرة الوقاية الإشعاعية وقد شغل لفترة، إضافة إلى كل هذه الدوائر، رئيس لجنة الشراء المركزية التي يرأس دائرتها مأمون حديد.

وقد باعت هذه الدائرة مواد مشعة من المنتجة في مخابر الهيئة لتاجر أردني هو عدنان الشيخ الذي امتنع عن تسديد المبالغ المالية المتوجبة عليه للهيئة لأن البيع تمّ من دون عقد نظامي بينه وبين لجنة الشراء، فبعد أن استلم "البضاعة" قام بحل الشركة، ولا تستطيع الدولة السورية المطالبة بمئات آلاف الدولارات لأن لا عقد بيع نظامي بينها وبينه، فما كان من الهيئة إلا أن أغلقت الموضوع وأصبح طي الكتمان ومن خسائر الماضي. وتكرر هذا الأمر مع تاجر آخر من السعودية هو عبد الكريم حمودي الذي وافقت له الهيئة لأسباب مجهولة على الحصول على المواد المشعة وتسديد ثمنها بعد بيعها، وأموره ما زالت معلّقة بكتمان شديد، لدرجة أن مخبر النظائر المشعّة الذي يتبع لقسم الكيمياء الإشعاعية، وهو بدوره يعرف الكثير عن هذه الصفقات إلا أنه يلتزم الصمت الذي لم نستطع تحديد إذا ما كان قسرياً.


مكتب أمن الهيئة

مكتب الأمن في هيئة الطاقة الذرية مكلف بحماية المنشآت والمراكز التابعة للهيئة والتي تقع في معظمها في مناطق بعيدة عن التجمعات السكنية، مراعاة للشروط العلمية وحفاظاً على السلامة والسرية من جهة والصحة العامة من جهة ثانية. لكن جميع العاملين في مكتب الأمن هم من المدنيين وليس العسكريين، منهم من هو على ملاك الهيئة ومنهم من هو متقاعد بعقد سنوي. لكننا لاحظنا أن مكتب الأمن في هذه المؤسسة الحساسة محصور بفئة طائفية محددة ومن غير المسموح أن يدخلها عنصر من تكوين طائفي آخر، وذلك على عكس ما هو معروف في سوريا عموماً وفي أكثر المنشآت والمراكز سرية.

فرئيس مكتب الأمن مرهف تركماني ضابط مستقيل من الجيش السوري، وهو على ما يذكر كثيرون من المطلعين أنه ممنوع من العمل في وزارة الدفاع والمؤسسات التابعة لها، وقد حصل وأن تعاقد أحد الأشخاص من طائفة معينة في إحدى الشعب الأمنية فأنهى له عقده على الفور (اسمه فاطر معروف). وللطرافة فإن مدير مكتب الأمن كان قد أوفد إلى دورة تدريبية حول أمن التفاعلات النووية بدلاً من أخصائي في الهندسة النووية. أما مدير مكتب مرهف تركماني فهو محمود سعيد العبد من بلدة المعضمية غرب دمشق، وهو لا يخفي ولاءه للثورة السورية وقد أوقف أمنياً لمدة شهرين مما اضطر المدير العام لإصدار قرار بإيقافه عن العمل (صورة٤ و٥). كما أوقف أمنياً أحد العاملين في شعبة الأمن لمدة زمنية على خلفية نشاطه في التظاهرات، وما عن خرج من السجن حتى نقل إلى مكتب أمني أرقى بحيث أنه ثبت في العمل، وهذا الأخير اسمه سليمان هركل لكن اضطر كذلك إلى إقالته.


دعاة الأقسام العلمية في الهيئة

في قسم الهندسة النووية، حيث مفاعل الأبحاث النووي السوري، يعمل الشيخ محمود كحيل أميناً لمستودع قسم الهندسة النووية ودائرة المفاعلات، وهو خطيب معروف في دمشق، وفي كفر سوسة تحديداً وله خطب توزّع على الناس ومنتشرة في الأسواق، وفي القسم ذاته يرافقه الشيخان نضال غازي والسموءل مصطفى، وقد كان الدكتور حسان العمر، وهو باحث درس على حساب الهيئة في بريطانيا له فتاوى شهيرة في التشدد الطائفي وفي أحكام أبناء الطوائف المخالفة، ويروى عنه أنه صاحب الإفتاء في تقطيع أطراف العاملين في الجيش السوري وفي أجهزة الأمن، إلا أنه مصاب بمرض السرطان. أما الدكتور علي حينون الذي كان موفداً إلى ألمانيا، فيعدّ مرجعاً دينياً مهماً، وهو المفوض باختيار مهندسي الطاقة النووية للعمل في قسم الهندسة النووية. وكان هذا الشيخ قد اختار المهندس زيدون عصعوص من الضفة الغربية للعمل في المفاعل السوري للأبحاث، وكان عصعوص قد أوفد للدراسة في جامعة دمشق غير انه فضل البقاء فيها على العودة إلى الجهة التي أرسلته للدراسة بموجب اتفاقية مع الجامعة. وقائمة هؤلاء تطول في هذا القسم الذي فوجئنا بشخص من مدينة السلمية هو أمين مكتبة إلا أنه من غير الماركة الطائفية المسيطرة عليه، فاكتشفنا أنهم قاموا بهدايته فاقتنع بالطريق المستقيم وهجر طائفته.

أما في قسم الزراعة الإشعاعية، فقائمة الدعاة تطول، ابتداء من الحاج الدكتور فواز كرد علي وهو مدير بحوث ورئيس القسم ونائب مدير عام الهيئة، وهو صهر مدير إدارة المخابرات العامة الأسبق بشير النجار الذي كان حكم بالمؤبد ومات في السجن. ويساعد هذا الشيخ في حلقات الدعوة عضو قيادة الفرقة الحزبية في القطيفة خالد عرب ومعاونه د. معتز زرقاوي إضافة إلى فاطمة طيار الفنية في القسم نفسه، والتي تعد من متشددي دعاة الهيئة. لكن الغريب في أمر الشيخ فواز كرد علي هو توفيقه بين مسؤولياته الكثيرة في الهيئة وبين تفرغه الدعوي، فهو نائب المدير العام وعضو في مجلس الإدارة وعضو في اللجنة الاستشارية العلمية ورئيس لجنة الإيفاد ورئيس قسم الزراعة الإشعاعية ورئيس تغذية النبات.

والأمر ينسحب على كل أقسام الهيئة، من قسم تكنولوجيا الإشعاع ورئيس القسم فيه الدكتور محفوظ البشير، إلى قسم الفيزياء، على قسم الخدمات العلمية الذي يعد مفتيه الشيخ هلال الأسعد ومريديه، إلى قسم الكيمياء، إلى قسم الوقاية الإشعاعية التي يدير الدعوة فيه رئيسه الدكتور محمد سعيد المصري الذي كان يقيم حلقة دينية في الهيئة وله فيها مريدون من الباحثين والعاملين في الهيئة عموماً، وكذلك في قسم التقانة الحيوية وغيره من الأقسام.

إن نظرة عامة إلى ما سبق تؤكد أن الفساد والإهمال هما الأبوان الراعيان لهيئة الطاقة الذرية في سوريا، وكأن هذه المؤسسة الاستثنائية ليست عاملاً من عوامل الحرب القائمة على سوريا، وما يحدث فيها من فساد وغيره هو الطريق الآمن الذي تسلكه الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الضغط على سوريا، واستغلاله من قبل أعدائها. فالفساد والمحسوبيات وعقلية الإقطاع المسيطرة على أغلب القطاعات في سوريا لا تحيّد مؤسسة أو منشأة مهما كانت أهميتها ومهما كان الدور الذي تقوم به، ذلك أن غياب عقل المؤسسة وسيطرة الأفراد يلغي في الأصل القوانين العامة للبلاد ليسود بدلاً منها قانون الشخص المتنفّذ الذي يحكم هذه المنشاة أو تلك.



رمز الوثيقة: 88306
Share/Save/Bookmark