واستوت على الجودي... اثنا عشر ساعة في ليلة حالكة السواد لاطمت الأمواج سفينة الديمقراطية في تركيا، وأراد قراصنة الحرية أن يسرقوا إرادة الشعب الذي عانى أربعة انقلابات، كانت كفيلة بإحالة حياتهم إلى الضنك وشظف العيش.


لكن الشعب أراد أن يرسو بسفينته على شاطئ الاستقرار، ويجنب بلاده الفوضى، فكان له ما أراد، فلم يمر على تلك البلاد أياما أسود من تلك التي تدخل العسكر في شئونها السياسية والاقتصادية، ولم ير الشعب أسوء من هؤلاء الحكام الذين خلعوا البزة العسكرية ليتواروا خلف لباس المدنية، أو هؤلاء الذين باعوا أنفسهم للعسكر، وقبلوا أن يكونوا دُما في يد العسكر يأتمرون بأمرهم دون تفكير ولا تدبير ولا مراجعة، فاستحالت حياة الشعب التركي إلى الفوضى وانهار المجتمع وفر أغلبه إلى الغرب أو الشرق طلبا لكفاف العيش.


كانت ليلة من أعظم ليالي تركيا، بل واحدة من أعظم ليالي التاريخ الإنساني، منذ بعثة نبي الإسلام، محرر الإنسانية ومعيدها إلى فترتها السوية، التي لا تقبل العبودية، وترفض أن تسرق إرادتها، لقد قرر الشعب التركي بصدوره العارية أن يواجه الآلة العسكرية الغادرة التي سرقت أمواله التي اشترى بها تلك الآلة لحمايته، فيخونه بها، ويسرق إرادته ويفرض عليه طغمة فاسدة تأتمر بأوامر الغرب، بعد أن خططت له مكيدة الانقلاب، وحددت له نقاط الانطلاق وأماكن التمركز، وهو ما رفضه الشعب من الساعات الأولى فقرر أن يواجهه.


في الانقلابات، ولأنها على غير رغبة الشعوب وهدفها سرقة إرادتها، انطلق الانقلابيون إلى رموز إرادة الشعب للاستيلاء عليها، فكان بنك أهداف الانقلابيين يتضمن البرلمان، المؤسسة التي تعبر عن رأي الشعب، والقصر الجمهوري، المؤسسة التي اختارها الشعب لتمثله أمام العالم، ومجلس الوزراء، المؤسسة التي انتخبها الشعب وتسهر على خدمته، كما استهدفوا التلفزيون لإسكات صوت البلاد حتى إتمام اغتصابها.

رفض الشعب أن يترك شرفه ينتهك، فقدم أعظم التضحيات في كل تلك النقاط التي استهدفها الانقلابيون، والقصص في ذلك كثير، سُجلت أمام البرلمان ورئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء وبلدية إسطنبول وعلى الجسور المهمة وملحمة جسر البسفور أو جسر شهداء الخامس عشر من تموز، الآن، خير شاهد، هذه التضحيات إنما جاءت بدافع حب الوطن، حب ليس عاديا، بل حب واع، حب يدرك المصلحة العامة لهذا البلد، ويعرف أن إرادته حاكمه وأنه فوق كل السلطات، وفوق كل الرغبات، كما أنه يدرك أس الصراع وأبعاده، ويدرك أيضا أن استهداف مؤسساته المنتخبة، يعني استهدافا لإرادته وسيادة وطنه، يدرك أن هناك حاقدين على ما وصلوا إليه من إنجاز، يدرك أن رفض الغرب انضمام بلاده للاتحاد الأوروبي خلفه رغبة في إعادة هذا البلد لحجمه الذي يريدون.


لم تنته مكائد الحاقدين، ولن تنتهي، فسنة التدافع فُرضت على هذه الأمة، لكنها في المقابل ترسم لها طريقا عليها أن تسلكه، بالفعل هو كره لها، لكنه لا شك خير، لما فيه من تطهير لصف المخلصين، وكشف للخونة والعملاء وأصحاب المصالح الخاصة، والعاملين لصالح أجندات تبعد كثيرا عن مصالح الأمة وأهدافها السامية التي ضحى من أجلها أسلافنا، ونحن على أثارهم سائرون، لقد علمنا التاريخ أن أعظم ما تملكه شعوب هذه الأمة هو روح النضال من أجل ثوابتها ومبادئها الرسالية، وأن عزة هذه الأمة وكرامتها في مقاومة الظلم وإرساء العدل، هذا قدرنا وهذه مهمتنا بل واجبنا نحو أمتنا والإنسانية أجمع، وهو ما وعاه الشعب التركي، فخرج مسترخصا دما غاليا في سبيل هذه المبادئ وهذا الواجب، فسطر في الخامس عشر من تموز تأريخا لشعب أراد أن يكتب لنفسه فصلا في كتاب عزة هذه الأمة... فكان.