الثلاثاء 23 تموز 2019م , الساعة 08:49 صباحاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



كتب باسل ديوب: حلبُ.. عامٌ على التحرير.. تفاؤلٌ حَذِر ووعودٌ حكوميّةٌ معسولة!

باسل ديوب – حلب – وكالة أنباء آسيا

2018.01.16 03:22
Facebook Share
طباعة

قبلَ عامٍ كانت قذائفُ الهاون، وجرّات الغاز المفخّخة التي يُطلقها مدفعُ جهنّم تتساقطُ بالعشراتِ يومياً على سكّانِ حلب، وكانَ واردُ المدينةِ من مياهِ الشربِ والكهرباء بيد المسلّحين يقطعونه ابتزازاً وضغطاً كلّما أرادوا، والاتّصالات ضعيفة، وحملات التهويل الإعلاميّ تحذّرهم من اجتياحٍ وشيكٍ للمسلحين.


كيف أصبحت أوضاعُ المدينة اليوم؟ وكيفَ ينظرُ الأهالي لمرحلةِ الإعمارِ المرتَقبة والزيارات الوزاريّة المتعاقِبة؟


المدينةُ التي فاجأت الرأيَ العام بترميمِ حمّامٍ أثريٍّ قبل أيّ مبنىً آخرَ في المدينةِ الأثريّة، ربّما كانت تذيع رسالة تحدٍّ إلى هذا الركامِ الهائل من الصخورِ والغبار، الذي يحتاجُ إلى سنواتٍ لترميمه، بأنَّ أهلَ حلب جاهزونَ لتحدّي الرّكامِ والغبار وسيمضونَ في إعادتِها نظيفةً كما كانت.


عودةٌ إلى الركام..


عشراتُ آلاف العائلات عادت من الساحل والمحافظات الأُخرى وحتّى من تركيا ولبنان، ارتفعَ الطلبُ على إيجارِ المساكن، أصرّت الدولةُ على عودةِ تنظيمِ المدينة كما كان قبلَ الحرب، فأَجبرت الباعةُ والتجّارُ الذين نقلوا متاجرهم إلى الأحياءِ السكنيّة الراقية ووسط المدينة على العودةِ إلى المناطق التي دمّرتها الحرب، وأُلغيت التراخيصُ المؤقتةُ لآلاِف الأكشاكِ المعدنيّة التي احتلّت الأرصفة في الأحياءِ الراقية.


عادَ باعةُ الخضارِ إلى "باب جنين"، وتجّار الألبسة إلى شارعِ التلل، وباشرت وُرشُ الترميمِ إعادةَ بناءِ المتاجرِ الأثريّة المبنيّة قبلَ قرون لا تقلّ عن التسعة، لمْ تعد حلب كما كانت، ولكن البداية مُبشِّرة.


استغرقُ الأمرُ عاماً كاملاً لعودةِ محطّةِ تحويلِ بستانِ القصر الكهربائيّة إلى الخدمة، "أنْ تصلَ مُتأخّراً خيرٌ من ألّا تصل" يقولُ لوكالة أنباء آسيا "سعيد مدراتي" العائد من اللاذقية إلى بيته في المشارقة، ويتابعُ "بيتي خطّ تماسٍّ وقنصٍ من قِبَلِ المسلّحين، وورشتي الحرفيّة في الميسر تمّ نهبها، سنبدأُ من الصفرِ ورغم تقصيرِ الحكومة فإنَّ ثقتنا في الجيشِ كبيرةٌ، الإعمارُ الحقيقيُّ لن يبدأَ إلّا بعودةِ الأمنِ إلى كلّ سورية".


لمْ يَعُد حي بستان القصر يشبهُ ما كانَ عليه عشيّة التحرير، اختفت ألوانُ علم الانتدابِ والشعاراتِ الثوريّة من جدرانِه، الكلّ بادرَ إلى طمسِها بألوانِ العلم السوريّ ذي النجمتين الخضراوين، وبشعاراتِ الوحدةِ الوطنيّة والولاء للرئيس بشار الأسد.


"عبد المعين زريق" وهو طبيبٌ جرّاحٌ وكاتبٌ؛ سارعَ إلى ترميم عيادته في حي "صلاح الدين" معقل المسلّحين الأبرز في حلب، الجملةُ تُزعجُ "زريق " الذي يستشهدُ بسكّانِ بنايته وبجيرانهِ، وكلّهم مؤيّدون أو على الأقلّ لمْ يرحّبوا بأيّ تظاهرٍ أو تمرّدٍ على السلطة: "لقد احتلّوا بيوتنا هذهِ هي الحقيقة، في عيادتي تركَ أحدُ التكفيريّينَ الذي سكنها كشقّة، وثائقَ عن عملِهِ وفكره، كان يُؤلمنا الحديثُ عن أنَّ حي صلاح الدين حاضنٌ للإرهابيّين، والحقيقة أنّه تمّ طردنا من بيوتِنا واستولى عليها الأرهابيّونَ القادمونَ من بعضِ الأرياف".


"زريق" يقومُ بترميمِ عيادته" بمساعدةِ الجيران نفسهم الذي عاش معهم خمس سنواتٍ قبلَ الحربِ، فمن هم الإرهابيّون؟ "يتساءَل للتأكيدِ على فكرتهِ حولَ "الغزو الذي تعرّضت له حلب".


القطاعُ الطبّي الذي تضرَّرَ بشدّةٍ عادَ للعمل، فشريحة الأطبّاء كانت أوّلَ الشرائحِ التي استهدفها المسلّحونَ بالخطفِ مقابل فديةٍ أو التصفية لأسبابٍ مذهبيّةٍ أو سياسيّة، في حي الأشرفيّة كانَ الدكتور "عثمان عثمان" قد انتهى منذُ أيّام من ترميمِ وتجهيزِ المشفى الذي يحملُ اسمه بعد عودتِهِ من منطقةِ عفرين مسقط رأسه، التي لجأ إليها عند اقتحامِ المسلّحينَ للمشفى نهاية العام 2012، واختطافِ ابنتهِ الطالبة الجامعيّة.


عثمان قال لوكالةِ أنباء آسيا " نحن في حلبَ نسيجٌ واحدٌ، لا يمكن تمزيقه، ربع سكّان الحيّ من الأكراد عادوا إليه من عفرين، وبلغةِ الاستثمار عندما نُعيدُ ترميم المشفى بمبالغَ باهظةٍ جدّاً فهذا يعني الإيمان المطلق بالاستقرارِ والأمنِ مع الدولةِ السوريّة القوية".


الطبيبُ الجرّاحُ "سليمان دلول" الذي كانَ خرج للتوِّ من غرفةِ العمليّات، عادَ هو الآخرُ من الساحلِ قبلَ أيّامٍ رئيساً لقسمِ الجراحةِ في مشفى الرازي الحكوميّ، هو الآخرُ كانَ غادرَ حلب بعد تعرّضهِ للخطفِ مع ابنه الشاب، يقول: "خمس سنواتٍ مرّت، وها نحن نعودُ من الصفر، لن أُعيدَ عائلتي في هذه الفترة".


ذكرياتُ الخطفِ والتهديدِ ما زالت طريّةً في مخيّلته.


الوضعُ الأمنيّ


في فرعِ الأمنِ الجنائيّ بحلب بعض الراحةِ النسبيّة، فالشهورُ الستّة الأخيرة كانت أهدأ قياساً بالشهورِ التي أعقبت التحرير، والتي تميّزت بمظاهرَ "زعرنةٍ واستعراضاتِ قوّةِ بالسلاح " وعددٍ من جرائمِ الخطفِ لقاءَ فديةٍ، والقتل والسطو المسلّح كانَ معظمها بتوقيعِ أفرادٍ حملوا السِّلاحَ ضمنَ مجموعاتِ اللّجانِ الشعبيّة المختلِفة.


وحسب معلوماتٍ خاصّة حصلنا عليها فإنَّ القبضةَ الأمنيّةَ المتشدِّدة ساهمت لكن للحقيقةِ تتمّة، فتكتيكُ اللّجنةِ الأمنيّةِ الخفيّ ساهمَ في "ضبضبةِ زعرانِ اللّجانِ الشعبيّة" وفق تعبيرِ الضابطِ المختصِّ بهذا الملفّ الذي يُوضّح "بعد تحريرِ حلب لجأنا إلى ترغيبِ المجموعاتِ الرديفةِ بالقتالِ في الرقّة ودير الزور، كما ضيّقنا على وجودِهم وحركتِهم في شوارعَ حلب، وأصبحت مهمّة جميعِ القوى الأمنيّة هي اصطياد المخالفينَ منهم، ممّا جعلهم يقتنعونَ بأنّ حلبَ لمْ تَعُد ميداناً لاستعراضاتِهم، بالأخصّ أنّ أيّ تورّطٍ بمشكلةٍ وتحقيقٍ معهم سيُفضي إلى تسليمٍ للشرطةِ العسكريّة، فهم غالباً إمّا متخلّفون أو مطلوبون للخدمةِ العسكريّة".


ويضيفُ "لدينا داتا مفصَّلة، وكبيرة لكلِّ هؤلاء، وكثيرٌ منهم من أربابِ السوابق، كما أنّنا في فترةِ التردّي الأمنيّ كُنّا نراقبُ ونسجّل، وعندما جاءَ القرارُ من القيادةِ بدأنا بتصفيةِ هذه الحالة"، وأشار إلى وجودِ أكثر من 2500 ضبطٍ بحقِّ أفرادٍ من اللّجان، مُوضّحاً أنَّ المقبوضَ عليهم أعلى من هذا الرقم؛ لأنَّ بعض الضبوطِ (محاضر التحقيق) يتورّطُ فيها أكثر من شخص.


شارعُ التلل يزدهرُ مجدّداً


كثيرةٌ هي المحلّات التي تحملُ اسم "مكي" في شارع التلل، "فراس مكي" مالك إحداها وهو من هذه العائلةِ التي تنشطُ في مجالِ بيعِ الألبسةِ النسائيّة، يقول: "صحيحٌ أنّنا أغلقنا متاجرنا هنا طيلةَ أعوامِ 2013 وحتّى 2016، لكنّنا انتقلنا إلى مناطقَ آمنةٍ في المدينة، وأغلب تجّار السوقِ تحسّبوا لدخولِ المسلّحينَ ونقلوا مستودعاتِهم إلى مناطق سيطرةِ الحكومة".


في الحقيقةِ لا يوجدُ أيّ متجرٍ مُغلقٍ، والازدحامُ يذكّرُ بالأيّامِ الخوالي وفق تعبير "أحمد صابوني" الذي يُديرُ متجراً لخالِهِ الذي نقلَ جزءاً من نشاطِهِ التجاريّ والصناعيّ إلى تركيا "اليوم الأمور أفضل، ولكن تذبذب أسعار صرفِ الليرةِ مقابلَ الدولار جعلَ حالةَ ركودٍ عامّةٍ ولكن نتفاءل بالمستقبل".


مظاهرُ الحربِ والعسكرةِ تقلّصت كثيراً، أصبحَ من النادرِ أنْ ترى سيّارةً عسكريّةً روسيّةً مثلاً، أو مُقاتِلاً يُطلقُ النارَ من نافذةِ سيّارتِه لتحذيرِ السيّاراتِ وفتح الطريقِ لهُ؛ لأنّه يقلُّ جريحاً إلى المستشفى".
والحدائقُ التي كانت تعجُّ بمرتدي اللّباسِ العسكريّ مع الفتياتِ المراهِقاتِ والصغيراتِ أصبحت تعجُّ بالعائلات.


العائدون


"يمنى حمامي"، التي كانت تُديرُ مجموعةَ أصدقاء كبيرةٍ على الفيسبوك، مختصّةٌ بشؤونِ حلبَ ومغترِبيها، أصرَّت على زيارةِ المدينةِ لإبرازِ الوضعِ الحقيقيّ لها للمغتربين.


تقولُ لوكالةِ أنباء آسيا: "في الشهورِ التي مكثتُ بها في حنايا حلب شاهدتُ بنفسي مدى جبروتِها وإرادة شعبها الذي لا يُقهر، وكيفَ أضحت الشوارعُ المهجورةُ والحاراتُ المُظلِمةُ تضجُّ بالحياة".


وتضيفُ "قرار العودةِ من الاغترابِ إلى حلبَ كانَ لرفعِ معنويّاتي ونفسيّتي، رغم أنّي كنتُ دوماً مُتفائِلةً بانتصارِها لأنّها رمزُ الحياةِ والعملِ والحضارة".


الأصدقاءُ على شبكةِ التواصلِ الاجتماعيّة فيسبوك، غادروا العالمَ الافتراضيّ، والتقوا وجهاً لوجهٍ مراتٍ عدّة أمامَ قلعةِ مدينتهم، وجالوا في حارتِها القديمة التي تُلملِمُ جِراحها، وكثيراً ما كانوا يلتقونَ بالصدفةِ ويتعرّفونَ على بعضهم اعتماداً على صورِهم في المجموعة.


لدرجةِ أنَّ بعضهم يقولُ مُداعِباً الآخرين إذا فقدتَ أحداً فستجدهُ في "حمّام الأحمر"، كناية عن تهافتِ الحلبيّينَ على إحياءِ طقسِ الاستحمامِ في حمَّام السوق، بعد أنْ اشتهرَ هذا الحمّام كأوّلِ معلمٍ تُراثيٍّ يتمّ ترميمه وتشغيلهُ في حلبَ القديمة.


وعودٌ حكوميّةٌ


لمْ تتوقّف الوفودُ الحكوميّةُ على القدومِ من العاصمةِ إلى حلب، نبرةُ الانتقادِ أصبحت ملحوظةً بعد مرورِ عامٍ على التحرير، كانَ يعتقدُ أهلُ المدينةِ أنَّ الأوضاعَ ستنقلبُ جذريّاً خلاله.


وأوّلُ ما كانوا يُريدونهُ هو تأمينُ الكهرباءِ لتخليصِهم من "اشتراكاتِ الأمبير" الباهظةِ الثمن، تحسّنَ الواردُ الكهربائيُّ للمدينة، ولكنْ دونَ الحدِّ الكافي الذي يُلغي الاعتمادَ على الاشتراكِ في المولّداتِ الخاصّة.


وخلالَ عامٍ تمَّ فتحُ الطّرقاتِ الرئيسةِ كلّها، وغالبيّةُ الطرقاتِ الفَرعيّةِ في الأحياءِ التي تعرّضت لدمارٍ كبير، بعضُ مَنْ تعرّضَ بيتهُ لدمارٍ خفيفٍ ومتوسّطٍ سارعَ إلى الترميم، كما أنَّ أسواقَ المناطقِ الشرقيّة عادت للانتعاشِ مع عودةِ النازحين.


الوزراءُ الذينَ زاروا حلبَ كرَّروا وعودَهم بحلِّ المشاكلِ الخدميّةِ التي سبّبتها الحرب، وبتعويضِ المدينةِ عن حرمانِها الماءَ والكهرباءَ ثلاثَ سنواتٍ واعتبارِها مدينةً منكوبةً، والإسراعِ في إقرارِ مخطّطٍ تنظيميٍّ جديدٍ لها .


وتبقى غصّةُ الحلبيّينَ هي بوجودِ جماعاتٍ مسلّحةٍ (وحداتُ الحمايةِ الكرديّة) في الأحياءِ الشماليّة من المدينةِ التي يمنعُ وجودُها من عودةِ الحياةِ الطبيعيّة؛ فهي حتّى اليومَ تصنّفُ أنّها خارجَ السيطرةِ الحكوميّةِ وليس فيها خدمات، مدارسُ ومستوصفاتٌ ومراكزُ شرطة.

 

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 9 + 6
 
الافتتاحية مع خضر عواركة المزيد ...   منبر آسيا المزيد ...   المجهر مع علي مخلوف المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
خامنئي: العراق القوي مفيد جداً لإيران بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي بالفيديو: كارثة بيئية تصيب بحيرة القرعون بالفيديو: ماقصة الاشكال في الشياح؟ اشتباكات بين عائلتي الجمل وجعفر في الهرمل الأسد: سأزور إيران قريباً مجدداً.. أهالي الموقوفين الاسلاميين يعتصمون في طرابلس بالصورة: اعتصام  لموظفي "سعودي أوجيه" في طرابلس