من رياض الصلح إلى حسان دياب

بقلم : توفيق شومان

2020.02.21 - 12:03
Facebook Share
طباعة

نالت حكومة حسان دياب الثقة واللاثقة معا ، ثقة لا يكتمل بها نصاب الواثق والموثوق ولا أحد يدري هل سيشتد وثاقها أم سيتم سحب الوثاق عنها.
أول سؤال يطرحه اللبنانيون على حكومة حسان دياب : هل يستمر ارتفاع سعر الدولار ويستمر معه انخفاض الليرة اللبنانية ؟
لا إجابة معلومة ومعروفة عن هذا السؤال ، فلا رئيس الحكومة يعرف الإجابة ولا وزراء الحكومة يعرفون .
ومن هذاالسؤال يتسلل سؤال آخر و ينسل : إلى متى تبقى أموال اللبنانيين منهوبة في المصارف ، ويبقى اللبنانيون هائمين على وجوههم ، فلا يعرفون ماذا فعلت المصارف ولا ماذا تفعل ولا ماذا ستفعل .
لغاية الآن تبدو حال حكومة حسان دياب مثل حال ما قالته العرب شعرا في قصيدة عصماء :
كمن يحدو وليس له بعير/ ومن يرعى وليس له سوام
ومن يسقي وقهوته سراب / ومن يدعو وليس له طعام.
غياب الإجابات المقنعة تحل مكانها تصريحات ومواقف غير مقنعة ، وهي مثلثة الأضلاع والأركان ، هذه عناوينها :
ـ لعن سياسة الأسلاف في الحكومات السابقة .
ـ القول بأن أطرافا ملعونة لا تدع الحكومة تعمل وتفعل وتنجز وتنقذ.
ـ الإصرار على نيل الفرصة المرغوبة بعد نيل الثقة المطلوبة.
هذا الكلام لم نكن نسمعه من رجال الدولة اللبنانية الآوائل ،لا من رياض الصلح بالتحديد ، ولا من فؤاد شهاب بالأخص، ولا من رشيد كرامي تحديدا وخصوصا ، وإذ يفترض بحكومة حسان دياب أن تكون " حكومة تأسيسية " للبنان الجديد ، كما كان أمر حكومة رياض الصلح التي أسست لمرحلة ما بعد الإستقلال ، ومثلما كانت حال حكومة رشيد كرامي في مرحلة إعادة تأسيس لبنان إثر أحداث عام 1958.
مرة أخرى :
المرحلة الحالية هي مرحلة تأسيس
لا يتم التأسيس على قواعد تكتفي بلعن الماضي ولا تخط قواعد لبناء المستقبل بحده المنظور على الأقل.
حكومة رياض الصلح الأولى تشكلت في ذروة الحرب العالمية الثانية
هل من ضرورة للقول مرة ثانية : الحرب العالمية الثانية ؟
لنقرأ قليلا في البيان الوزاري لحكومة رياض الصلح الأولى التي يمكن اعتبارها قاعدة للبيانات الوزارية ليس في لبنان فحسب ، بل في العالم العربي .
جاء في ذاك البيان وهو حصيلة " عصف أفكار عميقة " بين الرئيس بشارة الخوري والرئيس رياض الصلح والوزير سليم تقلا:
" إنها ( الحكومة ) لن تتعرف إلى السياسة الضيقة التي ألهت اللبنانيين بأمور محلية محدودة وأورثت الاختلافات والأحقاد بينهم بل هي ستبتعد بهم عنها كل الابتعاد لتخرج بهم إلى آفاق أوسع تليق باللبناني وبالنشاط اللبناني ".
لنلاحظ : الإبتعاد عن السياسات الضيقة والإختلافات والأحقاد.
في البيان أيضا وعلى لسان رياض الصلح :
" إن الحكومة التي لي شرف رئاستها تريد أن تكون للبنان سياسة عليا يرتفع إليها ويساهم فيها كل لبناني فكرا وعملا، على أن تلك السياسة من شروط ازدهار لبنان وهي ستعمل بجد وإخلاص على جمع الصفوف وإزالة الأحقاد التي اضطرمت في هذه المرحلة ".
كان رياض الصلح رجل دولة
رجل الدولة لا ينظر الى الوراء.
في البيان الوزاري لحكومة رشيد كرامي الثانية ( تشرين الأول 1958 ـ أيار1960 ـ الحكومة الكرامية الأولى لا بيان وزاريا لها ) في عهد الرئيس فؤاد شهاب ، جاء التالي :
" لسنا بحاجة للعودة إلى الماضي ، فقد عقدنا العزم على غسل هذا الماضي ، والحكومة التي تقدر مسؤوليتها في هذا الظرف بالذات ، ترى أن واجبها الأول هو العمل على غرس مبادىء الوحدة اللبنانية ".
لم يقف رشيد كرامي عند الماضي
كان رجل دولة
رجل الدولة ينظر إلى الأمام .
عودة إلى رياض الصلح ، وإلى كيفية أنماط تفكير ذاك النوع من الرجال في ذاك الوقت من الزمان .
في عام 1946 ، كلفت الحكومة اللبنانية مؤسسة بريطانية بوضع دراسة حول طاقات وبنى الإقتصاد اللبناني ، والمؤسسة معروفة بإسم " مؤسسة ألكسندر جيب وشركاه" ، وبعد أقل من سنتين ، أنجزت هذه المؤسسة دراسة تفصيلية ، هذه بعض خطوطها العريضة :
ـ في الزراعة : توصيات بزراعة الفستق وقصب السكر والتوت لإعادة إنعاش الحياة في إنتاج الحريرـ إستغلال الهضاب والوعور غير الصالحة للزراعة أو قليلة الإنتاج الزراعي وزراعتها بأشجار الزيتون التي لا تحتاج عناء ومشقة كبيرين مما يوفر للبنان مصدرا تصديريا مهما لحبوب الزيتون وزيوتها ـ تكريس المواءمة بين الزراعة والصناعات الزراعية التحويلية إن لناحية المخلالات و المجففات و المربيات ، خصوصا إذا اتبع لبنان زراعة مركزة ومناسبة لطبيعته وبيئته من مثل الخضروات والحمضيات والفواكه المختلفة ، وكذلك هو شأن الثروة السمكية الممتدة على شاطىء طوله 210 كلم ولا يصار إلى استغلاله لاعلى مستوى كفاية الإستهلاك الداخلي ولا على مستوى تصديره للجوار او تصنيعه وتعليبه .
لا داعي للإطالة فالفكرة غدت واضحة .
ـ في الصناعة : ما يلفت أولا في هذه الدراسة ، أن معامل الصابون في مدينة طرابلس كانت تلبي احتياجات لبنان وسوريا بنسبة 45% ،وهذه الصناعة يجب تطويرها ، فيما صناعة الغزل والنسيج يفترض أن تغطي السوق المحلية وتنافس المنتوجات الغربية ، فلبنان بحسب دراسة " ألكسندر جيب " مؤهل لذلك ، كما أن صناعة النعال والجلود المتميزة في لبنان يمكن أن تلقى أسواقا مفتوحة في الشرق والغرب إذا توفر لها رعاية معقولة ، وهذا ما يمكن سحبه على صناعة "بيوت الإترنت "، وإلى ذلك ، فصناعة العطور وأدوات التجميل تمتلك قاعدة هامة وأفقا باهرا في لبنان بحسب الدراسة ، وأما الصناعات الميكانيكية فيجب أن تلقى رعاية ملحوظة في ضواحي المدينيتن الأكبر ، بيروت وطرابلس .
لا خارطة طريق أشد وضوحا مما ذكرته دراسة " جيب" وفصلته .
هل الموازنة أو البيان الوزاري لحكومة حسان دياب على هذا النحو ؟
لايبدو أنها على هذا النحو
الحكومات السابقة أيضا كانت أبعد من هذا النحو
كأن نحو الحكومات اللبنانية على نحو لا تحيد عنه
ما الذي يدفع إلى قول ذلك؟
أول ما يدفع إلى قول ذلك هو قطاع الكهرباء ، وكما يقال : يُقرأ المكتوب من عنوانه ، وأما في تفاصيل المكتوب ، فالتالي والآتي :
خطة " اصلاح " القطاع الكهرباء هي الخطة نفسها التي كانت للحكومات السابقة والساقطة ، وهذا يعني أن عجزا بملياري دولار سيترتب على الخزينة اللبنانية ، يُضاف إلى الدين العام الذي بلغ 89 مليار دولار وفقا للأرقام الرسمية لوزارة المالية .
كأن الحكومات السابقة " معشوقة " الحكومة الجديدة ، وتردد ما قاله أمير الشعراء احمد شوقي :
ليلى على دين قيس / فحيث مال تميلُ
وكل ما سر قيسا / فعند ليلى جميلُ
ثاني ما يقال لحكومة حسان دياب عبارة عن سؤال : كيف ستكافح الحكومة العتيدة ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغير الغذائية ؟
لا تتطرق موزانة الحكومة ولا البيان الوزاري إلى ذلك ، ولكن الناس يا "حضرة الحكومة " أكثر ما يهمها ذلك .
كيف توفق حكومة حسان دياب بين " ذلكها " و" ذلك " الناس؟
لا أحد يعرف ذلك
ثالث الأسئلة : متى يعود العمال المصروفون إلى أعمالهم وأشغالهم ؟
والسؤال الرابع : من أين ستأتي الأموال إلى لبنان ؟ وأي خارج يمكن أن يساعد أو " يشفق " على لبنان ؟ ومقابل ماذا ؟
والسؤال الخامس : ما خطة العمل لإنعاش قطاع السياحة واستقدام العملة الصعبة ؟ وكيف يمكن إقناع المغتربين برفع نسبة تحويلاتهم إلى لبنان ؟ ومن يضمن عدم " سطو " المصارف عليها ؟
والسؤال السادس : هل يمكن بالفعل إستعادة الأموال المنهوبة ؟ أم أن الذي ورد في البيان الوزاري أشبه بما تقوله أم كلثوم وتغنيه :" ما تصبرنيش بوعود وكلام معسول وعهود "؟.
والسؤال السابع : ما الذي ستفعله حكومة حسان دياب مع استحقاق دفع مليار ومائتي مليون دولار في شهر آذار المقبل ؟ وماذا لو دفعت وماذا إذا لم تدفع ؟ وفي حال لم تدفع هل تنشرح أساريرها وتنام في " سريرها " آمنة ومطمئنة وهي تردد ما قاله المتنبي :
أنام ملء جفوني عن شواردها / ويسهر الخلق جراها ويختصم.
والسؤال الثامن : ماذا لو تعدت مهلة الأشهر الثلاثة الأولى ولم يلمس الناس اجراء ومفعولا على الأرض ولم يتلمسوا أطراف " المن والسلوى " الطافحة بوعود وعهود البيان الوزاري ؟ هل يصبح نشيد الحكومة ساعتها صادحا على إيقاع بيت الشعر المعروف :
ما كل ما يتمناه المرء يدركه / تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
حسنا ... لنفترض أن الرياح جرت بما لاتشتهي السفن ، ما العمل ؟ ما الفعل ؟ ماالتصور ؟ ما الرؤية ؟ ما الخطة البديلة ؟
هذه أسئلة إجاباتها تائهة ، ولعل أولى الإجابات تكمن في افتراض أن تكون الحكومة الجديدة حكومة تأسيسية للجمهورية الثالثة .
البيان الوزاري لا يوحي بذلك ، بل يوحي بكونه يمضي على " وحي " الجمهورية الثانية المنهارة .
بالعودة إلى رياض الصلح
قال بعد ادلائه ببيانه الوزاري الأول : أنا جئتكم بوثيقة الإستقلال.
لم يقل حسان دياب جئتكم ب " وثيقة التأسيس"
لم يقل ذلك لأن البيان الوازري غير ذلك ...
عشتم وعاش لبنان

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 5