كتب بسام القاضي: خمسون عاماً.. نزداد فساداً!

خاص - وكالة أنباء آسيا

2020.02.10 - 10:56
Facebook Share
طباعة

 

يحلو للبعض أن يستجلب ذكر "المدينة الافلاطونية" حين يجري الحديث عن الفساد، الديكتاتورية، الطائففية، الاستزلام.. في سورية، فذلك هو الرد "المعجز"، نظراً لأن عاقلاً لا يمكنه أن يتحدث مع "شخص" بهذا المستوى من اللاعقل.

وردهم هذا لا يغير من واقع الحال شيئاً. ضمناً لا يغير من أن الفساد الموجود بالتأكيد في السويد (مثلاً) لا يعادل 1 على مليار مما هو موجود في سورية! وأن الحق المتاح فعلياً للناس في السويد لضبط الفاسد ومحاسبته، هو أكبر بأكثر من مليار مرة مما هو عليه في سورية!

وجِد الفساد يوم وجدت السلطة، ولن ينتهي قبل انتهائها. ولم يشهد التاريخ يوماً واحداً بلا فساد في أي "مجتمع منظم". هذا أمر بديهي. لكن الفساد هذا، البديهي، هو في مستوى منخفض، "معقول"، تحت السيطرة، محدود الأثر، وهناك وسائل متاحة للناس لمواجهته. أما حين يصير الفساد هو السيد الأعلى، مقدس في القانون، مقدس في أخلاق السلطة والناس، لا وسائل متاحة لمواجهته، فحينها يصير الفساد كارثة كبرى، كما هو الحال في الكثير من دول العالم الثالث، وعلى رأسها سورية.

والحديث عن "مكافحة الفساد" لم يبدأ اليوم، ولا قبل عشرين عاماً. لكن، قبل نحو أربعين عاماً اشتدت وطأته وانتشر وفجر حتى صار الفساد "شطارة" والشرف "سذاجة"، فسارعت السلطات إلى إثارة زوبعة من الجعجعة تمثلت في "ندوة وطنية" عامة لمناقشة سبل مكافحة الفساد. في تلك الندوة خرج الكاتب السوري ممدوح عدوان ليقول: "أنا أعمل في إعلام أخجل منه، فهو يكذب حتى في نشرة الطقس وأخبار الكوليرا"!

ومن ضمن تلك الجعجعة، أنشئت هيئة لمكافحة الفساد في سورية، ولدت فاسدة حامية للفاسدين، وبذلت كل جهودها الجبارة لكي تعتقل بضع ضحايا صغار بذريعة "الفساد"، أمضوا سنيناً طويلة في السجون لجرائم لم يرتكبوها، أو لم يكونوا سوى الهامش في ارتكابها. فيما بقي الحيتان الكبار يرتعون وينهبون في داخل الحكومة وخارجها، دون أن يمسهم شر!

ولم تكن هيئة الرقابة والتفتيش، في قوانينها أو في مسؤوليها، سوى نسخة أخرى مطابقة عن هيئة لا هم لها سوى حماية الفاسدين الذين صاروا هم الحكومة (السلطة التنفيذية) ومجلس الشعب (السلطة التشريعية) وبالتأكيد؛ الإعلام الذي قيل فيه أكثر مما قيل في أهل الكهف.

ولا يحتاج الأمر إلى جلب البراهين والاستشهادات. يكفي أنه لم تتم إقالة وزير واحد في سورية منذ خمسين عاماً! ولا ضبط مسؤول جمارك كبير! ولا اعتقل أحد من عصابات الشبيحة (التي وجدت قبل أن توجد الجزيرة والعربية، منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي) وزعماؤهم "المدعومين" جداَ! ولا حتى تاجر واحد كبير من المتلاعبين بالنقد الذين يفتخرون علناً، في الحريقة بقلب دمشق، أنهم هم من يقررون سعر صرف الدولار، بكلمات أخرى: هم من يقررون قوت الناس!

وتحفل القوانين السورية واللوائح التنفيذية التي تنظم آلية تطبيق هذه القوانين، بما يحمي السلطات التنفيذية من المحاسبة "أثناء أدائها مهامها"! كما يحمي القضاة وأعضاء مجلس الشعب! وفي حال وجود "منفذ" للشكوى على أي من "عمال النظام"، فإن الطريق إليه يمر عبر المشتكى عليهم أنفسهم!

كذلك، تتيح القوانين السورية لأصحاب القوة، أي المخابرات بأفرعها، والشرطة، باعتقال أي شخص لوقت محدد يمدد ثم يمدد ثم يمدد إلى ما لا نهاية، وذلك على "ذمة التحقيق"، بمجرد اتهام أي فاسد في السلطة لهذا الشخص بأي تهمة كانت. ما يجعل من مجرد التفكير بمواجهة أحد الفاسدين هو قرار بالانتحار، أو "التوقيف قيد التحقيق" إلى النهاية المؤكدة: الحكم عليه بوهن نفسية الأمة!

ولذلك، من الصعب على سوري أن يجد شخصاً في أي من مواقع "المسؤولية"، غير غارق في الفساد! فإذا وجد هكذا شخص، لن يمضي عليه الكثير من الوقت قبل أن "يتدبر" أمره الآخرون فيقصوه أو يهمشوه أو، ببساطة، يفسدوه.

الفساد، كما يعرفه جميع المعنيين في العالم، ليس "اخلاقاً" أولاً، وإن كان كذلك في وجه من وجوهه. لكنه أولاً وأخيراً: فرصة الفساد دون عقاب.

فما دام هناك إمكانية ليفسد أي شخص دون أن تتاح لضحاياه إمكانية محاسبته، وما دام قادراً على فعل ذلك مرات ومرات دون خوف، فإن الفساد سيشيع ويعم حتى يصير "أخلاقاً".

ولذلك لن ينفع أي حديث عن الأخلاق، أي المرحلة ما بعد الأخيرة من الفساد، في مكافحته. بل تكون مكافحته في اجتثاث البيئة الحاضنة له، والتي لم تكن يوماً "بشراً"، بل "ديموقراطية".

الديموقراطية لا تعني فقط حرية تشكيل الأحزاب السياسية والعمل من أجل برامج سياسية متباينة ومختلفة، وحرية إبداء الرأي والدفاع عنه، و.. بل هي أيضاً، وأولاً: حق الناس في محاسبة أصحاب السلطة، كل السلطات، بلا استثناء.

وهذا الحق لا يمكن أن يكون موجوداً ما دامت القوانين تحمي السلطات من المحاسبة، وما دام القضاء يتبع السلطة التنفيذية، وما دام مجلس الشعب يجمع أولئك الذين رضي عنهم "أولي السلطة"، وما دام الإعلام مشنوقا بحبل "التوقيف قيد التحقيق" والعديد من الحبال الاخرى.

ولأن شيئاً من هذا لم يتغير منذ الاستقلال حتى اليوم، إلا باتجاه المزيد والمزيد من تغول السلطة وسيطرتها على كل شيء، وحرمان الناس من كل شيء، فإن من حق الفساد اليوم أن يغني: خمسون عاماً.. نزداد فساداً.

هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه وليس بالضرورة أن يعبر عن موقف وكالة آسيا

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 10