من أين اكتسب "الإرهابيون السوريون" عقيدتهم؟

بسام القاضي

2020.01.20 - 08:27
Facebook Share
طباعة

 منذ انتهى الحراك الشعبي في سورية إلى "ثورة إسلام سياسي" قادها "الأخوان المسلمون" سياسياً وميدانياً، قبل أن تتبوأ القاعدة و"داعش" صفوف "الطليعة"، والحديث يدور عن "جذور" الفكر التكفيري الذي ظهر فيها.


فالواقع أن مئات الآلاف من السوريين انضموا إلى تلك الميليشيات المقاتلة تحت رايات "الإسلام"، وارتكبوا كل أنوع الجرائم التي لم تكن حكراً على "داعش" ولم تبدأ به أصلاً. والقسم الأكبر من هؤلاء حظي بتعليم متوسط (حتى الثانوية)، إلى جانب قسم كبير حظي بتعليم جامعي، وقلة قليلة حظيت بتعليم أساسي فقط.


يجمع مؤيديو تلك الثورة حتى اليوم على أن "الإرهاب" هو صنيعة "النظام السوري"، بشكل مباشر أو غير مباشر، لتشويه ثورتهم "السلمية!"، وبالتالي فإن هؤلاء لا يمثلون "الإسلام الصحيح" ولا "ثورة الحرية".


أما مؤيدوا "النظام" فيجمعون على أن هؤلاء استمدوا عقيدتهم من "الوهابية" التي تغلغلت في عقولهم، فجرّتهم إلى تلك الهاوية.


لكن، حقيقةً: أين تربى وتعلم ونما وترعرع هؤلاء الإرهابيون الذين يعدّون بمئات الآلاف من الجنسية السورية؟ (لسنا معنيين هنا بالإرهابيين الفرنسيين والبريطانيين والبلجكيين والصينيين وغيرهم من الأجانب، مواطنو الدول العربية ضمناً).


في الواقع أن هؤلاء السوريين جميعهم، أي بنسبة 99% منهم إذا استثنينا قلة من الذين كانوا يعيشون خارج سورية، قد ولدوا وتربوا وتعلموا في سورية.


ولدوا لأسر سورية تعيش هنا، على هذه الإرض، أسرٌ هي نفسها ولدت في ظل "حكم البعث" المطلق المستمر منذ 1963 حتى اليوم: 2020.


ومنذ ولادتهم حتى "غزو الفضائيات" قبل نحو عقدين، لم تتح لهم فرصة الاطلاع على أي شيء خارج ما يبثه الإعلام السوري، الرسمي بشكل شبه كامل.


وحتى بعد غزو الفضائيات، لم تتح لهم حياتهم التي تستدعي العمل لـ 10إلى 12 ساعة يومياً، الفرصة لمتابعة أي "اختراق ثقافي" أو أيديولوجي أو عقائدي عبر تلك الفضائيات، أو عبر الانترنت لاحقاً.


بدؤوا حياتهم "الدراسية" في روضات وزارة التربية "البعثية" التي تسطّر جميعها شعارات "البعث" الخلبية في "الوحدة والحرية والاشتراكية" على لافتاتها وجدرانها.


ومن ثم انتقلوا إلى المدارس الابتدائية التي تديرها الوزارة نفسها، وفي الظروف نفسها والشكل نفسه والأدوات نفسها والفكر نفسه.


وحين خرج البعض منهم إلى الجامعات، بالكاد اختلف شيء، باستثناء أن "ضبط الجامعة" هو أمر أصعب من ضبط "التعليم ما قبل الجامعي"، وهو ما يسميه البعض "حرية" مختلفة في الجامعة عما هي عليه في المدارس.


وفي كل هذه المراحل كان "النظام التعليمي" يلقن أولئك الطلاب في المدارس أنهم "مسلمون"، أي أنهم "خير أمة" عند الله. وأن دم المسلم على المسلم حرام، بما يعنيه مباشرةً من أن "دم غير المسلم مباح للمسلم". وأن النماذج المشرقة في الإسلام هم أولئك الذين قتل أحدهم زوج امرأة ليتزوجها! وأعمل آخر السيف في "رؤوس قد أينعت"! وأن للإسلام والإيمان أركان يفقد الشخص "حصانته كمسلم" إن لم يلتزم بها! وأن الله الذي خلق البشرية "شعوباً لتتعارفوا" هو نفسه من يقول للمسلمين منهم "واقتلوهم حيث ثقفتموهم" التي لم تكن أبداً "مرتبطة بحدث تاريخي" بل هي "مطلقة" بكل من "أضر بالمسلمين".


ولم تتح الفرصة لأي طالب أو طالبة في سورية لكي يناقش أي "مدرس" في أي أمر، فكيف في ما يقوله "الله"؟! ومنذ ثمانينات القرن الماضي زاد الأمر سوءاً مع تدمير كل "عقل" أو "تفكير" او "شك" في كل زاوية من التعليم، إذ سيطر عليها جيش جرار من "مدربي الفتوة" و"موجهي التربية العسكرية" الأشاوس!


وإلى جانب ذلك، لم يفتح التلفاز السوري (أو أي تلفاز آخر لاحقاً) أية إمكانية لنقاش أطنان بذور الإرهاب التي حشيت بها "المصادر" الإسلامية، وبالتالي المناهج التعليمية السورية. فالإعلام السوري ما زال حتى اليوم حريصاً على إبقاء "القمقم مغلق"، باستثناء مرات تعد على أصابع اليد الواحدة.


وسواء كتبت مقال في جريدة أو ترجمت رواية أو ألفت كتاب، فهناك "هيئة شرعية" في كل من وزارة الإعلام واتحاد الكتاب العرب كفيلة بمنعك من تمرير أي كلمة لا تطابق ما يريده "السدنة" في الدين كما في الجنس!


وإلى جانب كل هذا، هناك أكثر من 13 ألف جامع بنيت منذ 1970 فقط. جميعها يديرها أشخاص أرسلتهم وزارة الأوقاف "البعثية" التي، إلى جانب تأكيدها الدؤوب على نشرها ثقافة "المحبة والتسامح"، تعمل عمل "هيئة النهي عن المنكر" (لم يكن هناك أبداً "أمر" بالمعروف!)، أي "المنكر" الذي يتيح للعقل أن يفكر ويتساءل ويفكر وينتقد علناً كل ما يحيط به، ضمناً تلك التي يدعي البعض أنها "مقدسة" لا يطالها فكر ولا نقد!


وهؤلاء الأشخاص، أئمة الجوامع وسدنتها وخدامها، هم الذين أداروا مئات آلاف "الندوات"، وملايين "الحلقات" الدراسية التي لم تنقطع يوماً منذ استقلال سورية، والتي لم تتضمن أي منها تأكيداً على "حرية الإنسان" أو كرامته أو حقه بالمواطنة. بل تضمنت عبوديته لله التي لا تترجم إلا بطريقة واحدة: عبوديته لهذا الشيخ أو ذاك، لهذا الإمام أو ذاك، لهذا الخليفة أو ذاك!


وفوق هذا وذاك، هناك المدارس الشرعية ومعاهد تحفيظ القرآن، و"الجامعات" والمراكز الإسلامية التي تبث نفس الفكر والتفكير في كل شبر من سورية.


ففي دمشق وحدها، هناك أكثر من 19 ثانوية شرعية إلى جانب العديد من "الجامعات" مثل تلك التي في مركز كفتارو وتلك التي في جمعية الفتح. و21 ثانوية في حلب! ولا توجد محافظة في سورية إلا وفيها العديد من هذه الثانويات.


وإذا تركنا كلية "الشريعة" جانباً، بصفتها كلية متخصصة في هذا المجال، وهي تحتاج إلى دراسة مستقلة لكشف دورها الخطير في تدمير عقول عشرات آلاف السوريين عبر عقود، فإن كلية "الحقوق" بكل جامعات سورية تدرس الفكر الإقصائي والأحادي نفسه! بل تزيد عليه خطورة بتأكيدها أن "النظام العام" في سورية هو "الشريعة الإسلامية"! بما يعني أن أي تفكير في أي بند قانوني لا يجوز إلا ضمن تلك "الشريعة".


مئات آلاف الإرهابيين الذين رفعوا رايات "الإسلام السياسي" بكل ألوانها في سورية، كما هو واضح، لم يتعلموا في جوامع الرياض، ولا مدارس أنقرة، ولا حضانات قطر، ولا تحت نظام "الأخوان"! بل تحديدا: في ظل الحكم المطلق للبعث، وفي المناهج التي وضعها وزارؤه ومسوؤلوه، وفي الجوامع التي يشرف على كل شاردة وورادة فيها، وفي المعاهد والجمعيات التي تحظى برعايته، وفي وزارته الأكثر خطورة على الإطلاق: وزارة الأوقاف.


هنا ولد وتربى وترعرع ونام هؤلاء الإرهابيون، ومن هنا استقوا أفكارهم وتصوراتهم، وبما قدم لهم وحُشي في رؤوسهم استخلصوا النتيجة البسيطة: نحن لا نقوم بعمل إرهابي، بل نحن "نعلي كلمة الله".


أي أنهم لم يفعلوا سوى أن يترجموا "عملياً" ما تعلموه نظرياً في سورية.


فإذا كان هناك من يرغب بالتفكير بمستقبل مختلف، عليه أن يجتث من عقله فكرة أن هؤلاء تعرضوا "للتغرير" و"الاختراق الثقافي"، والبدء بالتفكير كيف يمكن تخليص سورية من مستقبل أكثر دموية مما شهدناه اليوم، سيحدث بالتأكيد إن لم نتحول إلى دولة مدنية علمانية تقصي الدين (كل دين، وفروعه الطائفية) من أي بند من بنود الحياة العامة، وتعاقب بشدة على تداول ونشر كل نص يدعو إلى التمييز بين السوريين لأسباب دينية، مها كان مصدره.

الآراء الواردة في هذا المقال تمثل كاتبها ولا تمثل بالضرورة وجهة نظر وكالة "آسيا"

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 5