فلسفة مسؤول لبناني

بقلم : توفيق شومان

2020.01.20 - 10:11
Facebook Share
طباعة

 منذ حين ، راح أهل السياسة في لبنان ، يمهدون لتحميل الناس مسؤولية الإنهيار المالي والإقتصادي ، فالناس مسؤولون عن سوء الأحوال ، لأنهم أسرفوا وأترفوا وبذروا ، فأوقعوا  البلاد في شر زمنها وأزمانها.

الناس " أوباش " كما بدأ أهل السياسة يروجون في مجالسهم المغلقة .
والناس أرذال وأراذل كما أخذ أهل السياسة يسرون في أحاديثهم  للحواشي حولهم وللخواص والأزلام المحيطين بهم.
والناس على رأي أهل السياسة ، باتوا عبيد التخمة والترف ، وتخطوا حالة الإشباع ، ولذلك فالمطلوب إرجاعهم إلى ما قبل الإشباع حتى يعودوا إلى حظائر الطاعة .
في مجلس متخيل مع مسؤول لبناني متخيل دار هذا الحوار :
ـ أنا : حتى الآن ... لم يلمس اللبنانيون منكم أي خطة للخروج من واقع الإنهيار المالي والإقتصادي؟
ـ هو : خطة ؟  وهل كان أجدادك يخططون أو يفكرون بخطط خمسية أو عشرية ؟  كل ما كانوا يفعلونه أنهم  كانوا ينتظرون مواسم المطر ، ثم الحراثة ، ثم الزراعة ، ثم القطاف أو الحصاد.
ـ أنا : هذا كان في زمن التجرية والملاحظة ، وقبل تعدد وسائل الإنتاج ... كانت غريزة البقاء تدفعهم إلى النظر نحو الأرض دون غيرها فيزرعونها ليبقوا ويستمروا ...
ـ هو : ومن قال لك إن غريزة البقاء تغيرت؟ ، لم تتغير إلا طرق الإنتاج ووسائل إشباع الغريزة أو إسكاتها إلى حين استيقاظها مجددا ، وهذه الوسائل  تنوعت وتعددت ، وأتت على حساب الأصل وهو الزراعة .
ـ أنا : هل يُفهم من كلامكم أنكم تدعون الناس إلى العودة للزراعة ؟
ـ هو : ندعوهم للعودة إلى الأصول !!!. يعني الخمسون أو المائة سنة  الماضية هي طارئة ، مضى قبلها  آلاف السنوات  التي عاش الإنسان فيها على الزراعة ، تلك الآلاف هي الأصل ، وما بعدها استثناء ، والإستثناء لا يغلب الأصل ،  والدعوة إلى الزراعة  تعني العودة  إلى نمط عيش الأجداد حيث البساطة والراحة والحياة المجردة من العقد والتعقيدات  والمعقدين.
ـ أنا : هل قلتم إن الناس معقدون ؟
ـ هو : أغلبهم ضربته عقدة  المال ، أو عقدة السياسة ، أوعقدة الثياب  أو عقدة الغذاء وأكل اللحوم ، فباتوا هائمين في تعقيدات العصر ، أجدادنا في الماضي ، اقتصرت علاقتهم بالأرض والزراعة ، زرعوا الأرض ، فزرعت الأرض في نفوسهم القناعة و راحة البال ، نلك هي قواعد الأصول .
قواعد الأصول ... والعودة إليها ، ذاك ما يدور في خلد أهل السياسة ، لايفصحون عنها جهرا ، إنما يهمسون بها في آذان المساعدين والمستزلمين ، فيسارع هؤلاء إلى أدلجة همس أولياء الأمر وإشاعة نظريات  تقول إن الناس سبب العلة وجذرالداء والبلاء.
ـ أنا : قلتم بالعودة إلى الزراعة ...كيف تجري تلك العودة ، والملكيات توزعت ومساحات الزرع صغرت وتقلصت  والأنهار تجرثمت وتلوثت ؟
ـ هو : أجدادك كانوا يكتفون بماء السماء ، وما كانوا يتأففون  من جراثيم الأنهار ، وعاشوا معها أزمانا وأجيالا ورافقتهم إقامة وترحالا ، وما يقال الآن عن  قذارة الأنهار وتلوثها ، ليس إلا لوثة عقل أنتجها هذا العصر بهدف إبعاد الأحفاد عن الأجداد ، وإقصاء الحاضر عن الأصول .
ـ أنا : الأصول مرة أخرى ... ؟
ـ هو : هي الأصالة ، حيث كانت الأمهات والجدات يجلبن المياه على رؤوسهن من أقاصي الوديان وأعالي السفوح ، ولم يشكن مرة ، ولم تعلُ حناجرهن ولا مرة صارخات شاكيات متأففات كما هي أحوال نسوة هذا الزمان ، اللواتي نبذن  أنماط عيش أمهاتهن وجداتهن وقطعن صلة أرحام الإنتماء للأصالة والأصول .
ـ أنا : هذا يعني بأن على نسوة هذا العصر ، أن يعدن إلى التحطيب ، فيعود  مشهد النساء حاملات لأكوام الحطب والقندول على رؤوسهن ، وربما بعضهن يلدن في الحقول ؟
ـ هو :  جدتي بذاتها وبقضها وقضيضها ولدت أبي في حقل ، ما الضير والضرر من ذلك ؟ تلك هي قواعد الحياة التي اعتادها البشر منذ أول الخليقة وبدئها ، هل وضعت أمنا حواء  أولادها في دار استشفاء أو في غرفة عناية فائقة ؟.
حديث  المخاض والولادة  يقود تلقائيا إلى حديث الصحة والطبابة ، وهذا الحديث بات هاجس اللبنانيين وبؤرة قلقهم الأولى ، والسؤال القلق الذي يجمع  اللبنانيين تبدده إجابات وفلسفة المسؤول اللبناني على الوجه التالي :
ـ أنا : لنترك حديث النساء جانبا ... ماذا عن خططكم حول الصحة العامة ؟
ـ هو : أولا أعترض على مصطلح " الصحة العامة " ، لم أسمع من أبي وجدي  مصطلحا أو تعبيرا كذاك ، هذا " مصطلح  عصري " وخارج عن الأصول ، لا يمت إلى زمن الأصالة بصلة ، ومع ذلك أقول : على الناس ب "الخبيز" منعا لأمراض السرطان ، وب "الجرجير"  لمنع العقم عند الرجال ، و ب" الزعتر "  لإنعاش الذاكرة وتقوية الرجولة ، و " البصل " لخفض " الكوليسترول ، و " الثوم " لصد الزكام والسرطانات  والسكري والجلطات الدموية  و ...و ....
ـ أنا :  عفوا  عفوا ... كل هذا  الذي ذكرتموه كان أجدادنا يتناولونه بكثرة ، ومع ذلك  كانت الأمراض تقتلهم ، وتأخذ منهم مأخذا ، وما كانوا يعرفون  للعلاج سبيلا ولا دواء؟
ـ هو : جوابك غزوة من " غزوات العصرنة " ، الطبابة لا تكون إلا بعناصر الطبيعة ، ففي الطبيعة الداء والدواء ، وأي خروج  عن هذه العناصر هو خروج عن الأصول ونكران لأعراف الجدود... و...
ـ أنا : عفوا مرة ثانية ... لو أجدادنا  عرفوا الطب الحديث ما كانوا لجأوا إلى الطب البدائي ، ودليلي إلى ذلك أنهم كانوا يتبعون علوم زمانهم وحداثة أجيالهم ، وقد أقبلوا على  طبابة العصر في عصرهم  يتداوون بها ويستشفون؟.
ـ هو : دعك من هذا ... لا تشوه صورة الأجداد ، دعهم في عليائهم راقدين ، عاشوا على الطبيعة ، وتغذوا  من الطبيعة ، ورحلوا على طبيعتهم  من دون أن يتطبعوا بغير طبائعهم ، توارثوا الأصول ، وعاشوا على الأصول ، وغادروا بأصول.
تلك هي الأصول كما يراها المسؤول ، والأصول بعرفه العودة إلى الوراء ، إعادة استنساخ الماضي ، إرجاع عجلة الحياة إلى الخلف ، حيث ينزوي الناس في منازلهم حين يذوي  شعاع الشمس الأخير في آخر النهار ، وهنا يقول المسؤول:
ـ هو: أظنك  تسألني عن الكهرباء ، تلك الآفة التي أشغلت الناس وشاغلتهم وأصابتهم بالصرع ونشفان  العقول ... كم عمر تلك الآفة  التي حولت الليل نهارا ؟ وهل كان أجدادنا يشعرون بالنقصان لفقدانهم ما لا يعرفونه وما لا يلزمهم ؟  
ـ أنا : كأنكم تقصدون أن الكهرباء ترف العصر ، والقول بحاجتها قول متطرف يقوله محتج متطرف ؟
ـ هو :  ها قد عدت إلى " العصر"  وغزواته  ، الكهرباء لعنة العصر ، أحبولته ، أهبولته ، جعلت الناس هبلانا ينعقون إذا افتقدوها دقيقة أو ساعة ، عليهم ان يعودوا إلى قوامة عقولهم ، وأول طريق القوامة أن تستقيم حياتهم بغير الكهرباء وبغير مصابيح الليل ، فينامون باكرا ويستيقظون باكرا ، فتصح عقولهم وتصح أجسامهم ، فيطبقون عن دراية او غير دراية القول الطبي والصحي المشهور : العقل السليم في الجسم السليم . 
ـ أنا : وكيف يراجع الطلاب  دروسهم ويؤدون وظائفهم  الدراسية في البيوت  على ضوء القنديل أو خفوت ضوء السراج؟!!.
ـ هو : الفضيلة قبل العلم 
ـ أنا : عفوا مرة ثالثة ... هذه لم أفهمها !!!
ـ هو : لا أدري كم  عمر الإنسان على الأرض ، ولنفترض أن عمره عشرة آلاف سنة ، كل هذه الآلاف عاشها الإنسان  فاضلا  وفضيلا ولا يعرف العلم والتعليم  ، قلة عرفت قراءة الحرف أو عرفت فك الحرف كما كان يقال ، قلة قليلة عرفت العلم قراءة وكتابة ، أقل من القلة عرفت العلم المعلوم ، ومع  ذلك لم تنقطع دورة الحياة ، وكان الناس يؤثرون الفضيلة على أية قيمة أخرى ، وفي ظل تزاحم الخيارات تتقدم الفضيلة على العلم.
ـ أنا : كم ولد لديكم؟
ـ هو : ثلاثة ...
ـ أنا : لم أر واحدا منهم طوال ساعات الحوار معكم ؟
ـ هو : هم في أعمالهم...
ـ أنا : ألم يتأخروا ويكاد الليل ينتصف ؟
ـ هو:  لهم منازلهم ... وحين يعودون إليها : يراجعون يومياتهم ويخططون لغدهم كما خططوا في أمسهم.
ـ أنا : قلتم يخططون ؟
ـ هو : نعم ... يخططون ولذلك ينجحون.
ـ أنا : يراجعون  ويخططون على ضوء الكهرباء ؟
ـ هو :  طبعا ... منذ صغرهم عملتُ على ترسيخ قولين اثنين في أذهانهم : العلم نور ... والعلم في الصغر مثل النقش في الحجر. 
ـ أنا : والفضيلة ؟
ـ هو : العلم فضيلة .
ختم المسؤول قوله  ب " العلم فضيلة " 
ربما خانته ذاكرته  عن قوله السابق : الفضيلة قبل العلم 
ربما هو ازدواج المواقف والعواطف  حيال " أبنائه " و " أبناء الشعب " 
ربما قوله انزلاقة لسان أو اندفاعة حنجرة 
ربما فقد السيطرة على فلسفة مضمرة عمادها الأسياد والعبيد.
طوال  مدة الحوار لم ألحظ انقطاع الكهرباء في دارة ذاك المسؤول
الزجاج العازل كان يحول دون سماعه صرخات المحتجين  المطالبين بالكهرباء المقطوعة  عن منازلهم وأحيائهم منذ أيام.
حين غادرتُ دارة  المسؤول نظرتُ إلى الزجاج العازل. 
نظرتُ إلى الزجاج العازل وتساءلت : هل المشكلة في الزجاج العازل أم المشكلة في انعزال  المسؤول؟.
هناك إجابتان  :
ـ الأولى تقول : 
يمكن كسر الزجاج العازل فتصل الصرخات  والصيحات إلى مسامع المسؤول. 
ـ الثانية تقول : 
لو تم كسر الزجاج العازل  فماذا عن انعزال المسؤول وعزلته النظرية؟ .
بالفعل ... ماذا عن تلك العزلة  وماذا عن ذاك الإنعزال  الفلسفي؟
هل نحن أمام " مائة عام من العزلة " كما هو عنوان رواية غابرييل غارثيا ماركيز؟
مائة عام   ستحفل بمقولات  الأزلام والمستزلمين بأن  الناس " أوباش"  ومعقدين ، ومن  الصواب إعادتهم إلى حظائر الطاعة وأسوار القناعة.
حظائر الطاعة  والقناعة  التي تعني مصائب الماضي ، حيث  الفقر رفيق الأجداد ، والمرض صديقهم ، وسوط الإقطاعي أنيسهم ، والظلام جليسهم.
 ذاك هو تراث الأجداد  
 تلك هي قواعد الطبيعة 
 ذلك هو " العيش على الأصول ".
عشتم وعاش لبنان .
..............................................................................
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 8