انسحاب من العراق ...او انسحاب في العراق ؟

بقلم : توفيق شومان

2020.01.06 - 11:36
Facebook Share
طباعة

من النادر أن تلجأ دولة ما إلى اغتيال قياديي الصف الأول في دولة ما ، وجرت العادة أن " الخطوط الحمراء "  هي التي تشكل دروع الوقاية والحماية للشخصيات السياسية والعسكرية الكبرى ، وتلك من قواعد  عوالم السياسة والأمن.
صحيح ، أنه في لوائح القرن العشرين الماضي  رؤساء وقادة قتلهم أفراد أو مجموعات منظمة ، مثلما جرى مع الرئيس الأميركي جون كنيدي (1963)، أو الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز (1975) أو الرئيس المصري أنور السادات ( 1981) ، أو حتى رئيس الحكومة " الإسرائيلية " اسحق رابين ( 1995)، إلا أن هذه الإغتيالات  بقيت أسبابها مثقلة بغموض كثيف واستمرت دوافعها مبهظة بإرباكات التفسيرات والأحاجي.
من هذه اللوائح يخرج الجنرال قاسم سليماني من حماية الخطوط الحمراء المفترضة ، فالقاتل تجاوز تلك الخطوط وأمعن في إعلان مسؤوليته عن القتل ، مهددا بالمزيد من أمثالها  ومرعدا بإستباحة كل عرف وقاعدة وقانون .
بيت القصيد يكمن في الخطوط الحمراء 
رئيس دولة كبرى يُسقط قواعد الألوان  
مرة بالإنسحاب من الإتفاق النووي مستهزئا برأس أعلى هرم " قواعد الأمم " وهو مجلس الأمن الدولي .
ومرة بمنظومة حصار اقتصادي ـ نفطي ـ صناعي ـ مالي ، آحادية القرار والمزاج لا يجاريه فيها سوى " ثلة " من فريق الفريسيين المحيط به ، ومع ذلك يحلو له أن ينشر صورة معولمة تُظهره محاطا بذراعي السيد المسيح ، وكأن الهوس بالذات أخذه إلى الخلط المريب بين  الحواريين  والفريسيين الذين وصفهم يوحنا المعمدان ( النبي يحي بن زكريا ) ب " أولاد الأفاعي " .
ومرة ثالثة بإغتيال الجنرال قاسم سليماني ، النظير من حيث الأهمية والموقع لنائب الرئيس الأميركي او مستشار الأمن القومي ، او ما يعادلهما في القرار والدور والقيادة.
هذه الخطوط الحمراء المتهاوية كيف يمكن لطهران ان تصمت حيالها ؟
أغلب الظن أن الرئيس دونالد ترامب لا يملك إجابة ، والإجابة في مثل هذه الحال هي خلاصة رؤية واضحة لكيفية التعامل مع الطوارىء والمنعطفات ، فيما الرئيس ترامب " طائش ومتهور " بحسب ما تقول رئيسة مجلس النواب الأميركي  نانسي بيلوسي ( وكالة  " رويترز ـ 18 ـ 12ـ 2019). 
فقدان " الرؤية الترامبية " ، أشارت إليها أيضا صحيفة " صنداي تايمز"  البريطانية في عددها الصادر بتاريخ 5 ـ 1 ـ 2020 بقولها : " إنه من الواضح أن الولايات المتحدة ليس لها استراتيجية منسجمة في الشرق الأوسط "، وعلى ما تقول صحيفة " نيويورك تايمز" في الرابع من الشهر الجاري  : " إن الرئيسين  جورج بوش وباراك أوباما رفضا اغتيال قاسم سليماني خشية اندلاع الحرب مع ايران "، فيما  تتساءل مجلة " فورين أفيرز " الأميركية   : " عما إذا كان بالإمكان خفض التوتر بعد اغتيال سليماني وكيف يمكن أن يكون ذلك مع رئيس لا يحب التخطيط ولا يملك رؤية معينة لسياساته الخارجية ".
لم يفكرترامب قبل اغتيال الجنرال سليماني 
لا يفكر ترامب بمرحلة ما بعد اغتيال سليماني 
هو يهدد ولكن ماذا عن التنفيذ؟
الإجابة عن هذا السؤال تفترض فتح أبواب الإفتراض حول احتمال تعرض السفارة الأميركية في بغداد او القواعد العسكرية الأميركية في العراق لهجمات صاروخية ، وبحسب أرعودات وإنذارات ترامب  ف " القوة الغاشمة "، ستفعل أفاعيلها ، وردا على مفاعيل القوة تلك ، سترتد صواريخ أخرى على مناطق وجود الأميركيين في العراق ، والمشهد هنا سيكون موازيا ونظيرا لما يحدث في أفغانستان  ولما حدث سابقا في الصومال حين أفضت الهجمات المطردة على الجنود الأميركيين  إلى إخلاء الولايات المتحدة وجودها العسكري  في الصومال في عام 1993.
لاضرورة لإعادة فتح دفاتر " العقدة الفيتنامية " ، فتلك ما زالت حية في ذاكرة جيل أميركي مخضرم  وطويل العمر ( مثل ترامب ) ، وفي حين تعمل الولايات المتحدة على " ترتيب " خروجها من أفغانستان ، فإن " الإنفعال الترامبي " الذي قد يقوم على تكثيف المواجهة  في العراق ، يبدو خارج   السياق تماما ، وإذا أفلح الديموقراطيون بالتعاون مع كتلة معتبرة من الجمهوريين في مجلس الشيوخ  تقليص أو إثارة الجدل الساخن  حول سلطات و صلاحيات الرئيس العسكرية ، فلا شك ان ذلك سيضع ترامب في موقع اليد المغلولة او القاصرة دستوريا ، وفي حال ركب صهوة جموحه  ومزاجه واستعاد  مقولة السناتور الروماني الشهير ماركوس كاتو (M•CATO) :  " يجب ان ندمر قرطاجة "،  فالأمر يعني حرب إبادة  على الطريقة الرومانية او النازية او الستالينية ، وهذا افتراض خارج الخيال.
في الحروب بين الجيوش المنظمة والجيوش غير المنظمة ، لم يسجل التاريخ الحديث انتصارا للجيوش المنظمة ،  إلا إذا سلكت الأخيرة حروب الجرف  والإقتلاع والخراب المطلق والدمار الشامل كما سبق القول ، ولعل  في البيت  الأبيض من يهمس في أذني  الرئيس دونالد ترامب بعضا  من دروس  الخمسين سنة الفائتة ، بحيث يتضمن " الهمس المذكور" قولا مفاده  أن لا فائدة  من المواجهة في العراق أو ربما البقاء في العراق  ، أو على الأقل لا جدوى  من البقاء في كل العراق . 
هل يمكن أن يكون في البيت الأبيض همس وهامس ومهموس؟
يبدو ذلك 
كيف ؟
في تقرير كتبه  مايكل نايتس في الثاني  من كانون الثاني / يناير الجاري   لحساب موقع " معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى " ورد التالي :
" خلال الأيام الأخيرة التي سبقت مقتل قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني وأبو مهدي المهندس نائب رئيس "هيئة الحشد الشعبي" في العراق، أشار المسؤولون الأميركيون مرارا وتكرارا إلى أن العلاقة مع العراق قد وصلت إلى مفترق طرق.
وإذا كانت سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق عند مفترق طرق فعلا، فما هي المسارات المحتملة التي قد تتبعها واشنطن؟
ـ الإستمررية : من شأن الولايات المتحدة أن ترد فقط على الهجمات الخطيرة التي تستهدف مواطنين أو منشآت أميركية ، وتغض الطرف عن هجمات المضايقة غير القاتلة.
ـ مزيد من التشدد: يُلمح العديد من المسؤولين الأميركيين حاليا إلى مسار ثان قد ينطوي على عقوبات أقصى وردع العناصر المناهضة للولايات المتحدة في العراق، وإذا عجزت بغداد عن حماية الأميركيين والممتلكات الأميركية ، قد تتخذ الولايات المتحدة تدابير "وقائية " في المستقبل لحماية قواعدها.
ـ الإنفصال : المسار المحتمل الثالث هو الانفصال، سواء بناء على طلب العراق أو لأن واشنطن قررت تعليق التعاون الأمني والاقتصادي والدبلوماسي ، غير أن لا أحد في الحكومة الأميركية يدافع عن هذا المسار، لكنه قد يصبح ضروريا إذا أمرت الحكومة العراقية الموظفين الأميركيين بالخروج من خلال تشريع جديد أو إذا فشلت في حمايتهم من هجمات الميليشيات.
نظرا إلى قائمة الهجمات وغيرها من الإنتهاكات الطويلة التي استهدفت الوجود الأميركي، خلصت الحكومة الأميركية على ما يبدو - وبشكل صائب - إلى أن الاستمرارية ليست خيارا وبالتالي قد يكون التشدد لفترة من الوقت مجديا ، وإذا كانت النتائج غير مرضية ، فإن واشنطن تبدو مستعدة للتوجه نحو شكل من أشكال الانفصال ".
وكان مايكل نايتس كتب في تشرين الثاني / نوفمبر 2019  عن " المصالح الأميركية والوضع الراهن غير المستدام في العراق "، مختتما تقريره بعنوان فرعي " الاستعداد للمغادرة، حتى لا نضطر إلى ذلك " قال فيه :
" نحن لا نجازف كثيرا إذا جازفنا باستبعادنا من العراق ـ  استفادت النخبة العراقية من قيامنا بقتل أعدائها وإعطائها ثقلا موازيا لإيران، إلا أن العلاقة أصبحت من طرف واحد ولم تعُد تخدم مصلحتنا بشكلٍ كاف .
 إذا استمرت السيطرة الإيرانية في مستوياتها الراهنة ، وإقناع الشعب بأهمية التخلص من  الوجود الأميركي العسكري هناك ، يجب أن تكون الولايات المتحدة جاهزة لتعليق جهودنا العسكرية في العراق الاتحادي .
وكما أن الاستعداد للحرب هو أفضل طريقة لردع الخصوم وتأمين السلام، يجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدة حقا لأخذ استراحة في علاقاتنا مع نخبة العراق إذا كنا نرغب في تفادي الوصول إلى هذه النتيجة ، فلا شيء يمكن أن تربحه الولايات المتحدة من خلال الدفع لدعم حكومة تسيطر عليها إيران في بغداد ".
معنى القول إن ثمة نخبة أميركية تفكر بالخروج من العراق أو ما يسميه مايكل نايتس ب " الإنفصال "، أي فصل الشراكة مع العراق .
ومعنى القول أيضا أن الإدارة الأميركية انتقلت من خيار "الإستمرار " في العراق إلى خيار " التشدد " ، وهو الخيار الثاني من ثلاثة خيارات بعدما تخلت عن الخيار الأول ، وهذا  ما يفسر اللجوء إلى " التشدد العسكري " من خلال استهداف وحدات " الحشد الشعبي " على الحدود السورية ـ العراقية ، ومن ثم اغتيال قاسم سليماني وأبي  مهدي المهندس ، إلا أن خيار " التشدد " ليس أكثر من خيار انتقالي نحو مغادرة العراق أو فك الإرتباط مع حكومة بغداد .
ما الفرق بين مغادرة العراق و فك الإرتباط مع حكومة بغداد؟
هناك تفسيران :
ـ  الأول يفترض تكثيفا للهجمات الأميركية على مواقع ومقار "الحشد الشعبي " ، يسبقه  اتفاق مع حكومة بغداد لتنظيم الخروج الأميركي من العراق.
ـ الثاني : يفترض تكثيفا للهجمات الأميركية يسبق " تنظيم الوجود " الأميركي في العراق ، بحيث لا ينسحب الأميركيون من كل العراق .
كيف لا ينسحب الأميركيون من كل العراق ؟
في أوساط النخبة الأميركية من يدعو إلى استنساخ النموذج الأميركي في سوريا وإسقاطه على العراق ، من خلال المحافظة على الروابط الأمنية والعسكرية مع القوى الكردية المسلحة ، وهذا يتطلب الحفاظ إما على قواعد عسكرية أميركية دائمة في إقليم كردستان العراقي  او الإبقاء على وحدات عسكرية رمزية في الإقليم أسوة بما هي الحال في سوريا .
ما يسهم في تعزيز هذا الإتجاه ، عدم حماسة الأكراد العراقيين لخروج الأميركيين من العراق ، ولعل مشهد غياب النواب الأكراد عن جلسة مجلس النواب العراقي  التي انتهت بقرار يدعو إلى  إلزام الحكومة العراقية بإلغاء طلب المساعدة المقدم منها الى التحالف الدولي وإنهاء تواجد أي قوات أجنبية في العراق ، قد يدفع إلى فك الإرتباط مع بغداد وتعزيز الإرتباط مع أربيل.
الأسئلة هنا متعددة والإجابات كذلك 
الأميركيون يقولون باقون في سوريا والأكراد السوريون لايمانعون 
بغداد تقول للأميركيين انتهت المهمة وأربيل لا تقر بذلك 
واشنطن باتت على قناعة بأن علاقتها مضطربة مع بغداد وخيار " الإنفصال "  قيد البحث والنقاش وربما القرار 
وحتى لا يشكل خيار " الإنفصال "   فعل طرد أو نتاج هزيمة وانكسار ، قد يعمد الأميركيون إلى التموضع في كردستان العراق وبطريقة يحاكون فيها التموضع الرمزي في سوريا .
وفي سياق المقاربات : ليس مهما حجم التموضع بقدر أهمية الإبقاء على " مخالب القط " في مساحة من مساحات العراق .
وعلى هذا الأساس : هل يعقب "خيار التشدد " الأميركي  القائم  حاليا في العراق خيار "الإنسحاب في العراق وليس الإنسحاب من العراق " ؟.
هذا سؤال ينتج نصفه  قلق العلاقة بين بغداد وأربيل 
وينتج نصفه الثاني اضطراب العلاقة بين بغداد وواشنطن .
وينتج نصفيه معا رجل اسمه دونالد ترامب قال مرة : إن الهد  اختاره ليخوض حربا ضد الصين .
تأملوا ....
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 8