" دولة المصارف " ... أو الدولة العميقة

بقلم توفيق شومان

2019.12.30 - 08:24
Facebook Share
طباعة

 تفرض المصارف اللبنانية ما يحلو لها من قرارات وما يفيدها من اجراءات وأفعال وأعمال .

أهل السياسة أو بعض منهم ، يقولون إن أفاعيل المصارف جائرة ، ولكن أهل السياسة أنفسهم يجارون أفاعيل المصارف وأفعالها ، ويوفرون لها الأمن والأمان والحماية والوقاية .

لا قرار من الحكومة اللبنانية بتقييد سحوبات المودعين ، ولا غطاء نيابيا لهذه القيود ، ومع ذلك ، تفرض المصارف ما تشاء وتقرر ما تريد ، وجل ما تفعله الدولة أنها تؤدي واجب حراسة فروع المصارف .

واجب حراسة الناهبين وواجب التصدي للمنهوبين

المشهد في صورته الأكثر بشاعة : تحالف المال والسياسة.

قديما قال ابن خلدون : الحُكم بالمال

وقديما قال الشاعر العباسي أبو العيناء :

إن الغني اذا تكلم كاذبا / قالوا صدقت وما نطقت محالا

أما الفقير اذا تكلم صادقا / قالوا كذبت وأبطلوا ما قالا.

يقف أهل السياسة مع قطاع المال والمصارف ، فلا يسمعون أنين المسروقين ولا يرون ذل المسلوبين الصارخين : أين مال العمر وجنى الدهر ؟، وإذ يكرر المنهوبون صرخات أوجاعهم ، تأتيهم وقاحة أهل السياسة والمصارف بالقول : إن اللبنانيين باذخون ومسرفون .

كأن الشعب المنكوب مد أياديه إلى جيوب آباء أهل السياسة والمال ، فسلبها وحلبها .

كأن الشعب المنهوب مد أياديه إلى صدور أمهات أهل السلطة والقرار ، فانتزع منها المكنزات والمخبأت.

ما بعد ذلك سفاهة وما بعد ذلك وقاحة

سفاهة السالبين ووقاحة السارقين.

والسؤال هنا : من يحكم لبنان ؟

واضح أن أهل السياسة واجهة للمصارف

والمصارف عمق أهل السياسة .

قليل من الماضي يفيد في قراءة الحدث الجديد:

في العدد الصادر بتاريخ 9ـ3ـ 1938 كتب الصحافي المعروف اسكندر رياشي في صحيفة "الصحافي التائه " : " إن بنك فرعون ـ شيحا يعين ثلاثة أرباع النواب ويسيطر على كتلة من24 نائبا يتقاضون منه مرتبات شهرية ".

وكان اسكندر رياشي المقرب من الرئيس اميل اده ، نقل عن الشيخ يوسف الخازن قوله بأن " على المحاكم أن تفتتح جلساتها بإسم بنك فرعون ـ شيحا بدلا من أن تفتتحها بإسم الشعب اللبناني " مثلما كتب في " الصحافي التائه " ايضا بتاريخ الثالث عشر من تشرين الثاني 1937.

في الخمسنيات والستينيات لم تتبدل الأحوال ، وهذه المرة مع " بنك انترا " ، فوفقا لصحيفة "النهار " في عددها الصادر بتاريخ 17ـ 11ـ 2003 : " أفاد موظفون في البنك أن ثلث مجلس النواب كان يقصد أنترا في نهاية الشهر ليقبض المال ، وبلغ الأمر ان أصبح لأنترا خمسة وزراء في مجلس الوزراء " .

في الأدبيات الماركسية ، غالبا ما يُحكى عن حكم وتحكم " الطغمة المالية " ، وذاك ما قصده اسكندر رياشي حين ذهب إلى التصويب نحو " بنك فرعون ـ شيحا " ، إلا أن ميشال شيحا اللصيق بالرئيس بشارة الخوري في تلك الفترة والمستهدف بتصويبات رياشي ، هو نفسه (ميشال شيحا) سيكتب في صحيفة " لوجورـ le jour " عن " دكتاتورية الأوليغارشيا " في الثلاثين من ايار1952 فيقول :

" مرة أخرى نقول إننا في دكتاتورية مموهة ، وهي دكتاتورية أوليغارشية إلى حد معين ، لأن السلطة مستندة إلى الإقطاع بالدرجة الأولى ، ومن كان يطلب دليلا على هذا ، فما عليه إلا أن يجيل النظر حوله ، تلك حال لا يمكن تقويمها ، إلا بتصور آخر لممارسة السلطة ، فالجمهورية تبقى مستحقة اسمها أو تستحيل إلى طغيان تبعا لسلوك قادتها الحقيقيين ".

طغيان المال والإقطاع ذاك الذي يتحدث عنه ميشال شيحا

أوليس ما يعاني منه اللبنانيون الآن هو نفسه الطغيان الذي كان ؟.

هذه نماذج أخرى من الطغيان:

يروي باسم الجسر المقرب من رئيس الجمهورية اللبنانية الأسبق اللواء فؤاد شهاب فيقول في كتابه " فؤاد شهاب ذلك المجهول " :

" عندما أراد فؤاد شهاب وضع قانون النقد والتسليف الجديد ، الذي أنشىء بموجبه مصرف لبنان ، حاول أصحاب المصارف عرقلة تنفيذه ، ورصدوا مبلغا من المال للقيام بحملة معارضة له في الصحف ، واستطاعوا اقناع بعض أساتذة الإقتصاد بتأخير تنفيذه ، وكانت حجة هؤلاء أن القانون الجديد يعطي المصرف المركزي حق مراقبة المصارف الخاصة وإن ذلك يمس سرية المصارف ، وإن التخصص المصرفي يضر بلبنان لأن المصارف اللبنانية معتادةعلى التعاطي بكل الأعمال المصرفية وإن هذا سر نشاطها وازدهارها ".

وعلى ما يقول باسم الجسر إن رجال المال والأعمال والمصرفيين عارضوا إنشاء " الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي " بإعتباره نوعا من " الإشتراكية المحجبة " التي ستفضي إلى " خراب لبنان ".

وفي كتابه الآخر " ميثاق 1943لماذا كان وهل سقط ؟ " يقول باسم الجسر :

" إن النظام الإقتصادي الحر المفرط في حريته وعدم انضباطه ، معطوفا على النظام البرلماني الطائفي ، هما أعطيا السياسيين الإقطاعيين وأصحاب المصالح المالية الكبرى فرصة السيطرة على الحكم وتسخيره لمصالحهم ".

مرة جديدة أمام تحالف المال والسياسة والإقطاع

ومرة جديدة أمام استنساخ الزمان الذي كان

الزمان الذي كان بتفاصيله الماضية ومفاصله الحالية .

في كتاب مرموق القيمة لكمال ديب بعنوان " رجال السلطة والمال في لبنان ـ أمراء الحرب وتجار الهيكل " ورد أنه " في حين أقنعت ازمة 1966( ازمة بنك انترا ) الحكومة اللبنانية بالتدخل في القطاع المالي ، لكن السلطات والقوة التي حصل عليها مصرف لبنان بعدالأزمة ، كانت محط نقمة عدد من الذين يفضلون العمل فوق القانون ، إذ اجتمعت شبكات من المصالح الشخصية بين أمراء الحرب والتجار في السنوات اللاحقة ، واستطاع أصحاب بعض المصارف أن يوقفوا مراسيم أو قوانين أو سياسات نقدية اعتبروها تبالغ في تدخل المصرف المركزي أو الحكومة ".

أصحاب المصالح أولئك ، تحدث عنهم يوسف بيدس مؤسس " بنك انترا " في رسالة نشرتها صحيفة " النهار " في الرابع من نيسان 1969 ، اتهم فيها " البرجوازية المالية اللبنانية بمحاربة بنك أنترا "، وينقل كمال ديب عن جورج عشي الرئيس الأسبق لجمعية المصارف قوله : " كان هناك جو ان هذا البنك يريد أن يأكل البلد ، فعندما سقط ، كان هناك شماتة به ".

وبصورة عامة ، أفضى سقوط " بنك انترا " وما رافقه وأعقبه من تطورات سياسية ، إلى تراجع النهج الشهابي وإصلاحاته ، وعودة تحالف المال والسياسة ليفرض سطوته وسلطته ، وهذا ما لاحظته صحيفة " السفير " في عددها الصادر بتاريخ 19 ـ 11ـ 1975، في معرض تحليلها لأسباب الحرب فقالت :

" إن الأسباب العميقة للأزمة ليست طائفية ، إنما هي عودة الإقطاعيين السياسيين إلى الحكم في عام 1970، وتجميد الإصلاحات الشهابية وسيطرة الغرباء على قطاع المصارف وازدياد قوة اليسار ، كل هذه الأسباب اجتمعت لتفجر النزاع والأوضاع ".

الدولة العميقة لها واجهاتها السياسية كما قال اسكندر رياشي مبكرا

الدولة العميقة هي " دكتاتورية أوليغارشية " كما قال ميشال شيحا في ذات مقال وصحيفة

الدولة العميقة تحارب فؤاد شهاب وإصلاحاته كما قال باسم الجسر

الدولة العميقة تمارس الشماتة على " دخيل " من غير جنسها كما يقول يوسف بيدس

الدولة العميقة سبب الحرب كما أبكرت صحيفة " السفير" قولا .

هذه أرقام عن " الدولة العميقة " وأرباحها المخيفة وإنتاجها ل " النكبة اللبنانية " الحالية والراهنة :

بحسب تقرير منشور على موقع " الدولية للمعلومات ـ 9 ـ 4ـ 2019 " والذي يديره جواد عدرا المرشح المتمنع عن حمل حقيبة وزارية أو ترؤس مجلس الوزراء ، أن الأرباح الصافية للمصارف خلال 26 عاما بلغ 22,1مليار دولار اميركي.

وعلى الموقع نفسه تقرير آخر منشور بتاريخ 24ـ 12ـ 2019 تحت عنوان " لبنان : فائض في عدد المصارف " ، جاء التالي :

ـ في لبنان : 62مصرفا

ـ في السعودية : 30 مصرفا

ـ في فرنسا : 28 مصرفا

ـ في سويسرا : 13 مصرفا

ـ في تركيا : 13 مصرفا

ـ في بريطانيا : 10 مصارف

الأسئلة المريرة :

كيف يكون في لبنان 62 مصرفا وناتجه المحلي 58مليار دولار ، بينما يكون في بريطانيا 10 مصارف وناتجها المحلي 2تريليون و800مليار دولار ؟.

وكيف يكون في فرنسا 28 مصرفا وناتجها المحلي 2 تريليون و795 ملياردولار ؟ .

وكيف يكون في سويسرا وهي المعروفة ب " أم المصارف " 13 مصرفا وفي لبنان 62مصرفا؟ .

والأسئلة المريرة الأخرى :

كيف حققت المصارف كل هذه الأرباح ؟

ولماذا ربحت المصارف ويكاد يخسر اللبنانيون ودائعهم ؟

كيف توسعت فروع المصارف وتعسرت حياة اللبنانيين ؟

من يعطي للمصارف حق مصادرة أموال الناس ومن يمنع الناس أن تسترد أموالها من المصارف؟

من يحمي المصارف ومن لايحمي الناس ؟

والسؤال الأكثر مرارة في هذه الآونة : أين الدولة ؟ ما هي الدولة ؟ من هي الدولة ؟ لمن الدولة ؟

في لبنان انهار كل شيء ، من الزراعة إلى الصناعة ، ومن الخدمات إلى كل انواع السياحة ، ومن الماء إلى الكهرباء ، ومن البيئة إلى آخر شعرة من الأمن ، وانهار الحُكم والحكومة ، انهار كل شيء وبقيت المصارف سلطة متسلطة وقوة قوية ومستقوية .

كيف بقيت المصارف على هذه القوة وهذه السطوة ؟

هل هي الدولة الخفية ؟ المستترة ؟ العميقة ؟

هل أهل المصارف عمق أهل السياسة؟

وهل أهل السياسة واجهة لأهل المصارف ؟.

هذه الأسئلة ينتجها لسان حال أهل السياسة الذين يحاسبون المنهوبين بدعوتهم إلى التقشف ولايدعون على أهل المصارف بكشف الحساب ، كأنهم يتعقبون المنهوبين ولا يعاقبون الناهبين ، وكأنه إذا قيل أهل السياسة عنى القول أهل المصارف وإذا قيل أهل المصارف عنى القول أهل السياسة ، وحيال هذا المعنى وهذا التمازج بين أهل السياسة وأهل المصارف ، لايبقى أمام المنهوبين سوى ترداد ما قاله المتنبي حين خرج من قصر سيف الدولة الحمداني :

يا أعدل الناس إلا في معاملتي

فيك الخصام وأنت الخصم والحكمُ.

أي عدل ذاك حين يكون القاضي هو الخصم والجلاد؟.

عشتم وعاش ولبنان

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 5