الي سامر الصيداوي وحسان دياب

بقلم توفيق شومان

2019.12.22 - 01:46
Facebook Share
طباعة

 
خطفت " ليلة سامرالصيداوي " الأضواء عن حدث الإستشارات النيابية وتشكيل الحكومة المفترضة ، فالكلام المعتوه الصادر من شخص معتوه ، كاد يُشعل لبنان ببئس المصير ولظى النار وسعيرها.
وخطفت ليلة زيارات الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة ، حسان دياب ،  إلى رؤساء الحكومات السابقين ، وهج التكليف ، فتمسمر الناس على الطرقات او على شاشات التلفزة ، الأولون  ينتظرون فتحا ميمونا لأمن الطرقات ، والآخرون يهجسون بفقدان الأمن وخسارة الآمان .
شخص أخرق ومأفون يعيش في بلاد الإغريق ، كلامه ومفرداته وأسلوبه وأبجدية لغته ، لا تنم عن استقامة في شخصه ، ولا عن سوية في أخلاق ، وقد يكون مدسوسا  أو جاسوسا ، ومع ذلك  أفلح في استجلاب صواعق الشرالمستطير وفتائل عظائم الأمور.
جماعات غاضبة وغير راضية على تسمية حسان دياب رئيسا للحكومة ، حاصرت ذاتها وحاصرت غيرها بإقفال الطرق والمعابر والمداخل ، فوضعت الناس أيديها على قلوبها .
معنى ذلك ، أن الإحتقان بلغ مداه ، وانتفاخ الإضطراب وصل ذروته ، وبإمكان أي كان أن يجر الخلائق اللبنانية إلى حيث يشاء ، ومن دون أن يشاء الأولياء وأهل القرار .
أرعن قد يشعل الشارع 
الشارع قد يقوى على قياداته 
قد يصبح الشارع قيادة فوق القيادات.
في صباح الرابع عشر من نيسان1975، خرجت صحيفة "النهار" بعناوين دامية وذات دلالات لافتة : قنابل وشحنات ناسفة تنفجر ليلا في أحياء بيروتية عدة من منطقة المرفأ إلى منطقة الكولا .
من الفاعل ؟
أو : من الفواعل ؟ 
لا إجابة على سؤال عمره أربعة عقود ونيف ، ولكن ثمة وضوحا في إجابة عامة أن جهة او  "جهات " استثمرت في اضطراب الأمن بعد حادثة " باص عين الرمانة " لرفع منسوب التوتر ورفده بعناصر اضافية من الإحتقان والإنقسام .
حول حادثة " باص عين الرمانة " يقول الوزير الأسبق والقيادي في الحركة الوطنية البير منصور في كتابه " موت جمهورية " :
" في الثالث عشر من نيسان 1975 ، وفي عين الرمانة من ضواحي بيروت ، تعرضت بوسطة ركاب تقل فلسطينيين عائدين من مهرجان سياسي  لإعتداء ذهب ضحيته قتلى وجرحى ، وقع حادث الإعتداء على الحافلة الفلسطينية ، إثر اعتداء  تعرض له وفي عين الرمانة ذاتها ، مصلون كان في عدادهم رئيس حزب الكتائب بيار الجميل وذهب ضحيته كتائبي من آل عاصي ، لم تُعرف الجهة التي اعتدت على المصلين وقتلت ابي عاصي ، ولا تلك الجهة التي اعتدت على البوسطة الفلسطينية او هكذا أشاعوا ، إلا أن سوء تصرف الحكومة سهل في حينه توجيه التهم السياسية ، فاتُهم فلسطينيون  بقتل ابي عاصي ، واتُهم حزب الكتائب بالإعتداء على الحافلة الفلسطينية ، كان لا بد من ذريعة ما حتى يشعل أصحاب المصالح الإقليمية  فتيل الحرب في لبنان ".
حول الحادثة نفسها يقول سعدالله مزرعاني نائب الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني  في  صحيفة " النهار" ـ 13نيسان 2000:
"  تتيح  المسافة  الفاصلة  عن تلك الحادثة  أن نعيد ترتيب أفكارنا وتقديراتنا  خارج انفعالات  اللحظة والمرحلة ، وأسارع إلى القول إن حادثة بوسطة عين الرمانة كانت مصادفة تعسة ، وتحولت في الوقت عينه الى القشة التي قصمت ظهر البعير ، لم يكن احد من ركاب البوسطة قد قرر الذهاب  عمدا الى الإستفزاز المفتوح على المجازفة والموت ، ولا كان المهرجان الذي تقيمه الكتائب مدبرا بالطريقة التي تحوله مجرد كمين ينتظر ركاب البوسطة ليوسعهم رصاصا وقذائف ومتفجرات ".
وعلى جادة المراجعة نفسها ، يقول صلاح صلاح  القيادي  السابق والمعروف في " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين " ، في عدد صحيفة " النهار" نفسه :
" تقديري أن قيمة استذكار تلك المجرزة التي كانت بداية لمجازر عديدة ، ان نستخلص دروسها لتجنب تكرارها ، الحادثة كانت نتيجة قدر هائل من التراكمات والخلافات بين ثلاثة أطراف على الأرض اللبنانية ، هي الكتائب والحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية ، تدور الخلافات حول قضايا لم يتمكنوا من الوصول إلى قواسم  مشتركة حولها ".
ما العبرة من ذلك ؟
العبرة تكمن في كون الإحتقان قد يدفع " مجهولا "  أو " مجهولين" إلى الإمساك بقرار تحويل الإحتقان إلى انفجار ، ومن دون أن يكون لأصحاب الأرض دراية أوعلم أو دور أو قرار.
العبرة تكمن ايضا في كون العصبيات  تغدو أشد  حدة وثقلا لدى فئة من الجمهور العام، فيندفع إلى خارج إطار توترات الخطاب والشعار ، ناقلا اضطراب المفردات والتعبير إلى أفعال على الأرض ، مما يُلزم أصحاب القرار إلى مجاراة أصحاب الفعل ، فيختلط  أمر " الأمر لي " بين إمرة الجمهور وإمرة أولياء الجمهور .
هذه  ايضا وجهات نظر لاحقة عن  وقائع حربية سابقة :
يروي القيادي في حركة " فتح " نبيل شعث قصة " السبت الأسود " فيقول  في كتابه " حياتي من النكبة الى الثورة " : 
" في السادس من كانون الأول  1975، عُثر على أربعة جثامين من حزب الكتائب ، فقامت ميليشيا الكتائب بوضع نقاط تفتيش في منطقة المرفأ وقتلت المئات من المسلمين بناء على بطاقات الهوية ".
من قتل الكتائبيين الأربعة ؟
من أصدر أمرا بعد ذلك  بقتل المئات وفقا لإنتمائهم الطائفي ؟
لا جهة تبنت الفعلة الأولى ولا "الكتائب " قالت إنها خططت للمجزرة أو قررت ارتكابها .
يقول " سفاح  السبت الأسود "  جوزيف سعادة  الذي فقد ابنه من بين الكتائبيين الأربعة  في كتابه " أنا الضحية والجلاد أنا " : 
" في مكاتب بيت الكتائب كان مصير ابني آخر هم المجتمعين هناك ، فتوجهت فورا إلى مركز ب.ج.ـ قوات النخبة الكتائبية ـ وكنت على ثقة بأنهم لن يترددوا في مساعدتي ، رشاشاتهم أصدق من تقية السياسيين ونفاقهم ، وفهموا على الفور ان المطلوب خطف ما تيسر من الناس لمبادلتهم ، وتمركزنا على تقاطع طريق الشام وشارع الجمارك وشارع شارل حلو ، لم يمض على انتظارنا الا هنيهات قليلة حتى تقدم باص صغير ، أخرجنا الركاب من الباص وعدنا أدراجنا بحثا عن آخرين ، وكنا نستوقف كل السيارات العابرة ، وكان الوقت يمضي وأعداد المخطوفين تتزايد ، وإذ جاءني أحد الشبان بقميص إبني المضرج بالدم ، فكان ما كان من أمر المخطوفين وكان السبت الأسود ... يومذاك ما عدنا نشبه البشر ، كان المارة المسلمون ومعظمهم من عمال المرفأ  يُقتلون بلا تمييز، كنا نكدس الجثث في شاحنة ثم إفراغها من أعلى أحد الجسور ، كنا نقتل بلا هوادة وكان  قصب السبق  لمن يتلطخ بالدماء أكثر من سواه ".
مجزرة " باص عين الرمانة " قرعت طبول الحرب 
مجزرة  " السبت الأسود " فتحت أبواب الحرب على مصاريعها.
ماذا حدث بعد مجزرة  " السبت الأسود "؟
بعد مجزرة  " السبت الأسود " (6 ـ12ـ1975 ) بيومين اثنين وقعت " معركة الفنادق " ، وتلتها معارك :  الدامور ـ ضبيه ـ المسلخ ـ الكرنتينا ـ وكلها  جرت بين  السادس من كانون الأول 1975 والعشرين من كانون الثاني 1976، أي خلال شهر ونصف الشهر فقط.
هل هي الصدفة ؟
في التحقيق الذي نشره " سفاح  السبت الأسود " جوزيف سعادة مع قتلة ابنه شخص اسمه معتصم قائد  المجموعة الخاطفة  ، منتظم في "جبهة التحرير العربية " ـ (بعث العراق ) ويأتمر بأوامر  حركة " فتح" ويقدم معلومات لحزب " الكتائب " ، أي أنه " عميل مثلث "، وطوال فترة التحقيق رفض معتصم الإفصاح عن الجهة التي أعطته الأوامر بالخطف .
 ما المانع أن يكون معتصم "عميلا مربعا " ؟!.
سؤال لتشغيل عجلة الذاكرة وعجلة الأسئلة .
حول "حرب الجبل " في عام 1983 يقول أحد أطرافها ، رئيس حزب " القوات اللبنانية " سمير جعجع في شريط ذكريات حواري أجراه غسان شربل مع قادة لبنانيين بعنوان  " أين كنت في الحرب ؟ " : 
" فور اتساع مجال العودة إلى الجبل ، صعد حزبيون ومن دون قرار حزبي إلى ضيعهم ، لأن  الحزب التقدمي الإشتراكي لم يعد سلطة فعلية هناك ، توافد مسؤولون وحزبيون إلى قراهم ، وارتكب بعض العائدين حماقات انطلقت من رغبة مبيتة بالإنتقام ، وأقول بوضوح لقد صعدوا بدون قرار حزبي ولستُ مضطرا على الإطلاق للدفاع عن قيادة آل الجميل ، ولا أبرر الحماقات التي ارتكبت ، بدأ الوضع يتوتر في الجبل ، يومها  طرح الموضوع جديا في المجلس الحربي وفي حزب الكتائب ، الأفراد بدأوا بالعودة إلى قراهم ، فهل تبقى العودة في صورة أفراد أم في صورة مؤسسة ؟ وعندما انتُخب بشير الحميل رئيسا للجمهورية اتُخذ قرار الصعود إلى الجبل ".
  ويقول  طرف الحرب الثاني في "حرب الجبل " رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط  في شريط الذكريات نفسه :
" يمكن القول إن حرب الجبل بدأت حين تصاعد التوتر الطائفي إثر دخول الإسرائيليين ثم وصول الكتائبيين في أعقابهم في حزيران 1982، أعقب ذلك سلسلة حوادث أمنية من عين المعاصر إلى بريح وكفر نبرخ وسوق الغرب وعاليه ، كانت الأجواء مشحونة والتوتر يتفاقم ومعه القلق ، وسرعان ما راحت كرة الثلج تكبر، والإنفجار الكبير وقع في أيلول 1983".
" اسرائيل " كانت هناك بلا شك 
ولكن الشحن الطائفي والشحن السياسي سبق " اسرائيل" إلى الجبل ، وإلى ما قبل اجتياح عام 1982، وإلى ما قبل الحرب المجنونة في عام 1975.  
حروب طاحنة تسبقها معارك محدودة 
معارك محدودة تسبقها حوادث أمنية متفرقة 
حوادث أمنية متفرقة تسبقها أجواء متوترة ومشحونة 
أجواء مشحونة تتحرك في ظلماتها الغرائز فيتحرك على وقودها أفراد ومجموعات متفلتة أوغير منصاعة لإتجاه القرار العام .
في الحروب اللبنانية التي لا تنتهي ، دماء غزيرة  سالت في كثرة من المعارك تورطت فيها قيادات وجماعات سياسية كبرى على حين غفلة وعلى حين قرار اتخذه زعيم حرب صغير أو مجموعة عسكرية أو أمنية صغرى ارتأت في حادثة او مجزرة أو قطع طريق ، ما يرضي عصبيتها أو يحقق مأربا لها أو غاية في نفسها.
يقول القيادي السابق  في " القوات اللبنانية " اسعد الشفتري (وجوه وأسرار من الحرب اللبنانية ـ نبيل المقدم) :
 " كنا نعتقل أشخاصا يسكنون بالقرب من  خطوط التماس ، فيساقون إلى التحقيق ويتم تعذيبهم بشدة ، بسبب اهتزاز ضوء شمعة أو مصباح كهربائي في منازلهم ، والتي كان يفسرها الأمنيون بأنها إحداثيات للعدو".
ويقول الشفتري :
" لم يكن القصف على الشطر الغربي من بيروت يأتي دائما بأوامر من غرفة العمليات ، بل كان في بعض الأحيان بقرار ذاتي ، كما حدث عندما تم الإتصال بإحدى دور السينما في المنطقة الغربية  القريبة من خطوط التماس ، وأعطوا بلاغا غير صحيح عن وجود متفجرة داخل صالة السينما ، وما أن خرج رواد السينما مذعورين حتى انهالت عليهم القذائف من مدفعية الشفتري ورفاقه ، فقتلت  وجرحت الكثيرين منهم ".
هل في استحضار التاريخ دروس ؟
واحد منها : شتيمة قد تشعل حربا 
واحد منها : الإحتقان قد يولد حربا
واحد منها : موتورون او متوترون قد يشعلون حربا 
واحد منها : أن "أهل القمة " قد تأخذهم جريرة " أهل القاع "
واحد منها : ان العصبيات لايمكن ضبطها دائما وأبدا 
واحد منها : أن " اسرائيل" موجودة هناك ... 
هناك في العصبيات القاتلة .
عشتم وعاش ولبنان .

............................................................................. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 1