الجمعة 15 تشرين الثاني 2019م , الساعة 01:30 مساءاً بتوقيت بيروت

إتصل بنا أعلن معنا عن آسيا أخبار الرئيسية

آخر الأخبار :



رجال من بلادي ...

بقلم : توفيق شومان

2019.11.03 09:57
Facebook Share
طباعة

 " شرشحت " الطبقة السياسية اللبنانية نفسها و " شرشحت " لبنان.
لم يبق حزب مشارك في السلطة لم يتهم حزبا مشاركا في السلطة بالفساد والإفساد وتلويث أخلاق العباد.
الحملات الإعلامية والسياسية البذيئة والمقززة التي تبادلتها أحزاب السلطة قبل الحراك الشعبي في السابع عشر من تشرين الأول الفائت ، جعلت السياسيين اللبنانيين أضحوكة لدى الجمهور والعامة ، ولو قيض لبحث حسابي أن يتتبع منتوج الرذائل والسباب الذي تقاذف به المسؤولون اللبنانيون ، لكانت النتيجة كما هائلا وحجما مهولا ، وبما يفضي إلى القول بأن " الإبداع " غير المسبوق في رذيلة السباب ينطوي على انحطاط غير مسبوق في الخطاب السياسي وأدبياته وممارسة السياسة وسلوكياتها.
غابت الأخلاق فحلت الشتيمة
غابت الثقافة فزحفت الأمية
غاب العقل فتقدمت الغريزة
غابت السياسة فحضر عنترة العبسي وأبو زيد الهلالي.
قبل السابع عشر من تشرين الأول ، كان جمهور الشاشات اللبنانية ، ينتظر في المساءات والعشاءات والسهرات وزراءه الميامين ونوابه المصونين و" إعلامييه " المفتونين بألسنتهم الطويلة والذربة ، ليتمايل ضحكا و قهقهة على تساقط شتائم فلان على علاًن وكيفية رد الأخير بهجوم رذيلة معاكس ، وما كانت هموم ولا شجون ولا شؤون المتبارين بالشتائم سوى استمالة غرائز جمهورهم الخاص ، إذ ليس لديهم ما يعطونه للجمهور إلا المزيد من القول المثير والكلام الهائج والسباب المائج بالأوساخ والقذارات .
كانوا يعطونهم أوساخ الكلام
ثم أعطوهم أوساخ النفايات
والحق يقال : إن الطبقة السياسية اللبنانية أفلحت في إنتاج جبال من الكلام الوسخ وجبال من النفايات الوسخة .
والحقيقة تقال : ان الطبقة السياسية اللبنانية صنعت جيلا لبنانيا يساوي بين السياسة والرذالة وبين الممارسة السياسية وقلة الأخلاق وبين فعل السياسة وقول الشتيمة وبين خطاب السياسة وخطاب السُباب.
ما سمعه اللبنانيون من شتائم مشينة في الحراك الشعبي دليل إلى شيوع السفالة وتطبعها مع المزاج العام ، وذاك منتهى الخطورة ، فالفساد الضارب في هياكل الدولة اللبنانية ومفاصلها ناتج في الأصل عن ثقافة فاسدة أنتجها عقل فاسد ، وإصلاح الثقافة الفاسدة لا يتأتى من ثقافة مرادفة أو من عقل نظير، وإنما من ثقافة نقيضة وعقل مضاد، فالإصلاح على ما جاء في معاجم اللغة : إرجاع الأمورإلى وجه الصواب ، اوالقيام بالعمل النافع ، اوإصلاح الأرض بعد خرابها ، او تقويم ما اعوج وفسد ، إو إزالة الفساد والعطب ، او خروج الشيء عن الإعتدال والإستقامة ، وكل ذلك يفترض ثقافة بديلة وأخلاقا بديلة عن " لا أخلاق " طبقة الفساد الحالية والقائمة ، وحتى لا يُنشد الناس بعد حين كما أنشد الشاعر العربي القديم وقال :
يا ليت جور بني مروان دام لنا / وأن عدل بني العباس في النار
حسنا من أين يمكن طرق باب مكافحة الفساد؟
من باب الأخلاق أولا ومن باب إخراج السياسة من قلة الأخلاق واعتبارها عملا إنسانيا راقيا.
كيف ذلك ؟ هذه عودة إلى نشوء السياسة والأخلاق:
ـ في السياسة أولا : من أرسطو طاليس إلى فريدريك انغلز ، ثمة إجماع على أن الشعب بمعناه السياسي والدولة بمعناها القانوني ، هما نتاج تآلف الأسر الصغيرة واشتراعها أعرافا لتنظيم دورة حياتها ، وكلما كانت تتسع دوائر التآلف بين الأسر فتظهر العشيرة ثم القبيلة ، كانت الحاجة إلى نظم الأمور تغدو أكثر إلحاحا ، ومن الحاجة نشأت الأعراف ومن الأعراف نشأت القوانين ، ومن الإصرار على تطبيق القوانين انبثقت فكرة الدولة كإطار عام يحفظ الأمن والمُلكيات في الداخل ويردع العدوان إذا أطل برأسه من الخارج.
تلك ألفباء نشوء السياسة ، وما لحقها من تطويرات ومنجزات مرتبطة بالعدالة الإجتماعية وتداول السلطة أوالمشاركة ، فهي مندرجة في سياق ارتقاء الفكر الإنساني ونزوعه نحو توسيع فضاء الأخلاق من خلال توسيع فضاء الإنسجام والتعاون بين الأفراد والجماعات المقيمة تحت فضاء الدولة الواحدة .
ـ في الأخلاق ثانيا : الأخلاق هي قوانين غير مكتوبة ، اجتماعية الطابع ، وثيقة الصلة بالأعراف ، وحين تأخذ شكلها الكتابي تتحول قوانين مثل " القدح والذم " ، وجذور الأخلاق مستمدة من منع " الإستباحة " او تقييدها او الحد منها ، من مثل الكذب والشتم والإفتراء والسلب والقتل والهتك وغيرها ، وكل الذي سبق ذكره غدا قوانين عالمية مرتكزة إلى ثلاثة مصادر : القانون الروماني ـ الفلسفات الإنسانية ـ الأديان السماوية .
هل أهل السلطة في لبنان يراعون ما ورد في القواعد تلك والمعايير التي سبق قولها ؟
لا ... وكلا معها
هم رجعوا إلى ما قبل السياسة وإلى ما قبل الأخلاق
وهذه ثلاث قصص عن الحكيم الصيني كونفوشيوس ومأثوراته :
ـ في القصة الأولى وفساد الحاكم وأهل الحكم : سُئل كونفوشيوس : متى يكون الحاكم فاسدا؟
ـ أجاب كونفوشيوس : إذا رأيتم الحاكم يجلب أمهر الطباخين ليتذوق ألذ الطعام ولا يسأل عن جنسه ، وإذ استقدم أبرع المعماريين لبناء قصر ليعلو به على الأنام ولا يقف عند دينه ، وإذا تزوج من أجمل النساء ولو كانت من أبعد الأقوام ولا يأبه إلا لمحاسنها ومفاتنها ، و إذا استقرب إلى الحكم أبناءه وأشقاءه وأعمامه وأخواله ، فاعلموا أن في ذلك فساد الحاكم وفساد الحكم .
ـ في القصة الثانية وشتائم الوزراء والنواب وأهل الأحزاب : قيل لكونفوشيوس : " ثمة أناس يغضبون للحق فيشتمون من هم ليسوا على حق فقال : ومتى كانت الشتيمة لغة الرجال الصالحين " ؟.
ـ في القصة الثالثة ووعود الحاكم : يقول كونفوشيوس : " ما كان من عادة القدماء أن يقطعوا على أنفسهم الوعود بسهولة ، فالإمتحان ليس في تقديم الوعود ، وإنما في الوفاء بها ".
هي صور من صور الصين القديمة يظهر فيها لبنان الحديث .
كأن كونفوشيوس في القرن الخامس قبل الميلاد كان يتحدث عن لبنان في القرن الواحد والعشرين بعد الميلاد.
زعماء امتهنوا دور " القابلة " ، فأكثروا الأبناء والأقرباء حولهم ، وأكثروا وعودهم ، ومن هم " تحتهم " أو يقارب " خاصرتهم " من مستشارين ومستوزرين ومستنوبين ومستنفعين أكثروا من رذيلة الكلام حتى صارت اللغة رذيلة.
طبقة سياسية من هذا الصنف أي إصلاح يُرتجى منها ؟
وما المنتظر منها غير ما قاله الشاعر :
بالملح نداوي ما دب الفسادُ به
فكيف إذا بالملح دب الفسادُ ؟.
عُرف عن الشاعر العراقي أحمد مطر ، مزجه بين دهشة الشعر والدمعة والسخرية ، فشعره مفرط باستدعاء السخرية حتى الإستبكاء ، و" لافتات " أحمد مطر تتوغل في وصف أصناف الحكام العرب وأنماط حكمهم وقواعد ممارستهم السياسية ويقول في لافتة من " لافتاته " :
بالتمادي
يصبح اللص في أوروبا
مديرا للنوادي
وفي أمريكا
زعيما للعصابات وأوكار الفسادِ
وفي أوطاني
التي من شرعها قطع الأيادي
يصير اللص
زعيما في البلاد.
ما يقوله احمد مطر، يقوله السياسيون اللبنانيون عن السياسيين اللبنانيين ، وأي مراجعة لمرحلة ما قبل الحراك الشعبي ، وهي مرحلة ليست بتاريخ مضى او زمان انقضى ، ستفضي حصيلتها إلى عظائم الإتهامات ونوائب السرقات وأهوال التجريمات والتأثيمات ، فمن ذا الذي يفتح أبواب فرج الإصلاح ومن ذاك الذي يغلق أبواب الفساد ؟.
إذا كان أهل السلطة يجرمون أهل السلطة
وأهل الأحزاب يؤثمون أهل الأحزاب .
ألا يحق للبنانيين أن يرتابوا بوعود الإستقامة الطارئة ويظنون الظنون بالتوابين العائدين إلى سبيل الإستواء والرشاد ، ويخشون أن يستغفلهم الضالعون في الفساد فيقدمون لهم الإصلاح طحنا للماء وعجنا للتراب ؟!.
عن الوعد والنكوث بالوعد قال أبو نواس :
فقلت: الوعدَ سيدتي فقالت : / كلام الليل يمحوه النهار.
وقال جميل بثينة :
حلفت لنا أن لا تخون بوعدها / فكأنها حلفت أن لا تفي.
كيف يصدق اللبنانيون طبقة سياسية نهبتهم لسنوات وعقود وهي تقول لهم بعد اهتزاز بلاطها : اعطوني فرصة كي لا أنهبكم .
فرصة لوقف النهب
فرصة لوقف الشحن الطائفي
فرصة لوقف الفشل
فرصة للعودة إلى الأخلاق
فرصة للصدق
فرصة لنصبح " أوادم " .
تلك هي المسألة : يقولون : اعطونا فرصة لنكون صادقين
هل الصدق يحتاج فرصة ؟ وقتا ؟ زمنا ؟ دهرا ... أوعصرا ؟
وهل للصدق تاريخ فيقال : قبل الصدق وبعد الصدق؟
رحم الله كونفوشيوس .
عشتم وعاش لبنان .

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق:
* الاسم  
   البريد الالكتروني  
   العنوان  
* التعليق
* اكتب ناتج 4 + 6
 
مع الأستاذ توفيق شومان المزيد ...   الافتتاحية المزيد ...   منبر آسيا المزيد ...   المجهر مع علي مخلوف المزيد ...   إقتصاد المزيد ...   رياضة المزيد ...  
شاهد المزيد
ألبوم الصور
 كيف نحول الانتفاضة الشعبية لعملية تنقذ اللبنانيين من الدمار؟؟  عن الغزو التركي والفرص الضائعة بحث حول الشيرازية:  النشأة - المرجعية والتاريخ ماذا فعل الرئيس سعد الحريري حتى استحق عقوبة نيويورك تايمز؟ خامنئي: العراق القوي مفيد جداً لإيران بالصور: هكذا أحيت بلدية القاع ذكرى "فجر الجرود" بالصور: البخاري يودع الحجاج في مطار بيروت روحاني: لا مفاوضات مع ترامب بعد تخليه عن الإتفاق النووي بالفيديو: كارثة بيئية تصيب بحيرة القرعون بالفيديو: ماقصة الاشكال في الشياح؟