كونفوشيوس ومعمر القذافي

بقلم : توفيق شومان

2019.09.23 - 08:26
Facebook Share
طباعة

 اختلف الناس ومازالوا  يختلفون حول : من يحكم ؟

الفيلسوف ؟  من يحدده ؟
الأقوى ؟ ماذا لو طغى وتجبر؟
الأغنى ؟ ماذا  لو باع واشترى ؟
النخبة ؟ من هي؟ 
 الشعب ؟ ماذا عن الغوغاء ؟
طرح الإغريق هذه الأسئلة وأورثوها للبشر، ومازل البشر متلاطمين حول الإجابات ومتعاركين حول القناعات .
لو حبس الإغريق تلك الأسئلة  وأبقوها في داخل عقولهم وأفواههم ، كانوا أراحوا البشر وبقيت البشرية في سكون واستكانة .
لكن مشكلة الإغريق أنهم قالوا منذ العام 1045 قبل الميلاد : إننا لا نريد ملكا أو من يشبهه ويشابهه.
وقالوا أيضا : لا نريد ملكا ولا لقبا ولا حاكما من سلالة الآلهة وأنسبائها .
ومنذ ذلك التاريخ ، أوقع الإغريق العالم في اشكالية فكرية وسياسية  كبرى ، خصوصا في الشرق الذي يقدس الألقاب والإطناب والأوصاف والتعظيم  والتفخيم والتجليل والتبجيل. 
في تاريخ الشرق نقرأ التالي :
كان سرجون الثاني (770 ق.م ـ705) ملكا على رأس  الأشوريين في العراق ، ولم يُعرف أصله وفصله ، والمرجح انه كان دعيا وغاصبا  للعرش  ، كما يقول عالم الآثار العراقي طه باقر ، وسرجون  من " شروكين  " ومعناه الملك الصادق أو الملك الشرعي (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ـ شركة التجارة والطباعة ـ بغداد 1955ـ ص:188). 
ومن ألقاب سرجون الثاني :
ـ ملك الجهات الأربعة ـ محبوب الآلهة ـ الراعي الصالح ـ البطل القاهر  المحفوف بالمهابة ـ الملك العظيم وملك الجموع  ـ  فاتح البلدان من مطلع الشمس حتى غروبها ، ( اسرائيل ولفنسون ـ تاريخ اللغات السامية ـ مطبع الإعتماد ـ القاهرة 1929ـ ص: 44).
في مصر تدرجت ألقاب الفراعنة بين مرحلة وأخرى :
ـ الملك : ممثل الإله حورس 
ـ من بين ألقاب الفرعون: ابن رع أي ابن اله الشمس
ـ رعمسيس : إبن إله الشمس. 
ـ تحوتمس : إبن الآلهة " تحوت"
ـ تحوتمس الثاني : مولود الإله " تحوت " وإله المعرفة وقوة القمر .
ـ تحوتمس الثالث : مولود الإله " تحوت " و إبن إله الشمس الخالد .
ـ الملكة  "حتشبسوت " وألقابها : الملكة العظيمة في الحظوة والسمو ، سيدة كل الأرض ، الإبنة الملكية والأخت الملكية والزوجة الملكية العظيمة زوجة الإله ،( قادة مصر الفرعونية ـ  الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 2008ـ ص:32ـ 48 ).
ـ امنحوتب الثالث (1286ق.م1249) لقب نفسه  : ملك العدالة أو إله العدالة ، (كنت.ا. كتشن  : رمسيس الثاني  ـ ترجمة : أحمد  زهير أمين ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1997ـ ص:26.)
هو الشرق إذا
ماذا عن الهند ؟
كان الهنود يسمون ملوكهم "ماهات" أي الملك ، ثم "ماهات راجا " او " مهراجا" وتعني الملك العظيم ، ومن ثم مهراجا هيراجا " أي ملك الملوك العظيم ، وبحسب ما يقول إبن خردذابة في " المسالك والممالك " أن ملكا من ملوك  الهند ذهب إلى تلقيب نفسه  بملك ملوك الملوك .
وأما في الصين :
كان يقول  الصينيون إن  الصين تعود الى مئات آلاف السنين، وظهرت الصين مع ظهور الشمس والقمر ، وفي بداية التاريخ تولى العرش ثلاثة عشر ملكا ، كل واحد منهم حكم 14 ألف سنة ، لكن  واحدا من ملوكهم حكم 45الف سنة ، (محمد الندوي : الهند القديمة ـ.دار الشعب ـ القاهرة 1970ـ ص:180).
كان ملوك الصيين يسمون أنفسهم  أبناء السماء .
ومن" أبناء السماء " ملك اسمه  تشو ون وانغ  
كيف جاء تشو ون ونغ الى السلطة ؟
جاء تشو الى السلطة بعدما أصبح سلفه من أسرة تشانغ داعرا وجاهلا ولا يؤدي الفرائض للسماء ، فاجتمعت السماء وقررت خلعه وتنصيب تشو ون ونغ  مكانه فهو حامي الفضيلة وناكر الرذيلة ،(كريل ،ه،ج ـ  الفكر الصيني من كونفوشيوس إلى ماو  تسي تونغ ـ ترجمة : عبد الحميد سليم ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1998ص:30ـ33). 
وماذا عن اليابان ؟
في اليابان  كانوا  يعتقدون أن أصل الجزر اليابانية إلهية وأصل الإمبراطور إلهي (كوجيكي الكتاب الياباني المقدس  ـ ترجمة  : محمد عضيمي ـ دار التكوين ـ دمشق 2005ـ ص:18)، ومن ألقاب الأمبراطور:
ـ جلالة سمو الآبار الثمانية الإلهية 
ـ جلالة السيادة السماوية 
ـ الأمير : جلالة سمو النهر الإلهي .
في الحرب العالمية الثانية وبعد هزيمة اليابان ، سمع اليابانيون صوت الإمبراطور لأول مرة ، فأخذهم العجب من كون الإمبراطور انسانا ، فتركوه في قصره يفكر كيفما شاء ويعتقد كيفما شاء ويخلع على حاله الألقاب التي يشاء ، وذهبوا إلى أن يكونوا آوائل بين شعوب العصر ، وهكذا صاروا.
في الصين ، حاول ماو تسي تونغ (1893ـ 1976 ) السير على خطى الأباطرة الصينين الأقدمين والسابقين.
  أحيا ألقابهم وأنعش عظمة أوصافهم 
اربعة أفعال فعلها ماوتسي تونغ في الصين :
ـ حاول دفن  مدارس " المائتي فلسفة "  صينية   ومعها كونفوشيوس مع ان الأخير مات في القرن الخامس قبل الميلاد .
ـ اخترع مفهوم " القفزة الكبرى " فتحول إلى  " المجاعة الكبرى " ، حيث قُتل عشرات ملايين الصينين جوعا ، و " القفزة الكبرى  جعلت الناس لا يعرفون  ما هو الشيء الصحيح وهل يضحكون أم يبكون؟ "، (وو بن  ـ الصينيون المعاصرون ـ عالم المعرفة ـ الكويت 1996 ـ ص:267).
ـ أمر بقتل العصافير حتى لا تأكل البذار والحبوب ، فيتراجع  ويقل منتوج مواسم الحصاد.
ـ خلع اتباعه عليه ألقابا عدة ومتعددة  منها : " القائد الأكبر " و "صاحب الإنجازات العظيمة "  و " صاحب المسيرة الكبرى "  ، ونحتوا  له 2000 تمثال في عامي 1967 و1969.
في العام 1976 حين توفي ماو ، حاولت زوجته و "عصابة الأربعة " كما يسميها الصينيون ، وراثته والسير على خطاه ، لكن الجناح العقلاني في الدائرة الصينية الحاكمة اقصت "العصابة " واعتقلت اركانها ،  وانطلقت  في الحكم من قاعدة تقول : إن  الألقاب لا تطعم خبزا ولا تحفظ وطنا ، وفي العام 1981منعت السلطات الصينية الجدل والنقاش حول ماو ، سلبا أو ايجابا ، وفي العام 2006 ، لم تعمل السلطات الصينية على تنظيم  مراسم تأبين في ذكرى وفاة ماو تسي تونغ  ، وفي العام 2013 قال الرئيس الصيني جين شين بينغ : " إن ماو تسي تونغ ورفاقه ليسوا آلهة حتى لا يمكن انتقادهم ".
بعد رحيل ماو تسي تونغ غابت الألقاب عن الصين 
صارت الصين أولى في العالم .
عربيا لدينا غيض من فيض
والبداية من العراق :
في الثامن عشر من تشرين الثاني / نوفمبر 2001، أعلنت أمانة العاصمة العراقية بغداد ، انها بصدد إقامة نصب لساعة ضخمة ، لا تعتمد على التوقيت  الرقمي المعروف ، بل تعتمد على ألقاب الرئيس صدام حسين وهي : صدام حسين ـ الفارس  ـ الرفيق ـ المناضل ـ الرئيس ـ القائد ـ بطل التحرير ـ المجاهد، ـ القدوة ـ باني العراق ـ صانع النصر  ـ رجل السلام " ، ( صحيفة " الشرق الأوسط 18ـ 11ـ 2001).
ومن غيض العرب هذا نموذج آخر  
نموذج معمر القذافي :
في القمة العربية التي انعقدت في العاصمة القطرية الدوحة بتاريخ  30ـ 3ـ 2009، قال الرئيس الليبي معمر القذافي : "  انا عميد الحكام العرب ، وملك ملوك افريقيا ، وإمام المسلمين ".
ذهب صدام حسين ورحل معمر القذافي 
غادر آخرون بعدهما 
الألقاب بقيت 
بقي العرب حيث كان رعميس الثاني وسرجون الأشوري .
وحيث كان صدام حسين ومعمر القذافي 
لم يأت أحد من العرب ليقول كما قال الصينيون المعاصرون :الألقاب لا تصنع مجدا ولا فخرا.
ولم يأت أحد من العرب ليقول كما قال اليابانيون المعاصرون : الألقاب لا تنتج مصنعا ولا  تصنع آلة .
ولم يأت أحد من العرب ليقول كما قال الهنود المعاصرون : الألقاب  يبتكرها  الوصوليون ويفرح بها المغرورون .
بقي العرب في زمنهم : زمن انتاج الألقاب 
صار العالم في زمنه : زمن انتاج الأفكار .
قال كونفوشيوس :لا أظن إنني استحق لقب الحكيم أو الفاضل الكبير، فما أنا إلا طالب يجتهد.
قبل كونفوشيوس وبعد كونفوشيوس عاش ومات مئات الأباطرة ، لا أحد يذكرهم ولا أحد يتذكرهم .
وحين تذكرت الصين افكار كونفوشيوس عاشت من جديد.
وهذه هي الصين أولى وهذه هي الصين  في المقدمة 
ماذا عن ألقاب العرب ؟
 
Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 5