أجرت وكالة أنباء آسيا حواراً مع العميد المتقاعد في الجيش اللبناني ورئيس المحكمة العسكرية الأسبق منير شحادة، حول مفاوضات روما واحتمال التوصل الى إتفاق عسكري بين لبنان والكيان الاسرائيلي، اضافة الى تطبيق نموذج المناطق التجريبية في الجنوب، وما سيتبع ذلك من خطوات، وكان الحوار التالي:
أولًا: هل ستؤدي مفاوضات روما التي ستعقد بين لبنان وإسرائيل إلى اتفاق على الجوانب الأمنية والعسكرية لاتفاق الإطار؟
الاحتمال قائم، لأن القضايا الأمنية والعسكرية هي جوهر أي اتفاق من هذا النوع، وليست مجرد تفاصيل تنفيذية. فإذا كانت البنود السياسية قد رُسمت في الإطار العام، فإن المفاوضات اللاحقة تكون عادة مخصصة لترجمة هذه البنود إلى ترتيبات ميدانية تشمل انتشار الجيش اللبناني، وآليات المراقبة، ودور القوات الدولية إذا وُجِدت ، كون قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان ينتهي عملها في نهاية العام الحالي ، وكيفية معالجة أي حوادث مستقبلية.
إن هذه المرحلة هي الأخطر، لأن التفاصيل التنفيذية قد تُنتج التزامات عملية تتجاوز ما هو مكتوب في النصوص العامة، فتفرض وقائع أمنية جديدة على الجنوب، وتمنح إسرائيل هامشًا أوسع للمطالبة بإجراءات تعتبرها ضرورية لأمنها، بينما يصبح لبنان ملزمًا بتنفيذها تحت ضغط الالتزامات الدولية.
ومن هذا المنطلق، إن الاتفاق، إذا اكتمل بهذه الصيغة، قد يذهب أبعد مما ذهب إليه اتفاق 17 أيار، الذي سقط قبل أن يدخل حيِّز التنفيذ الكامل، في حين أن الاتفاق الحالي قد يُرسِّخ ترتيبات أمنية تدريجية يصعب التراجع عنها لاحقًا.
ثانيًا: ما طبيعة مهمة الوفد العسكري الأميركي الذي وصل إلى لبنان قادمًا من تل أبيب؟
من الناحية العملية، يؤدي الوفد الأميركي دور الوسيط والمشرف على تنفيذ التفاهمات الأمنية، لكنه في الوقت نفسه ينقل الملاحظات والمطالب التي خرج بها من اجتماعاته مع الجانب الإسرائيلي.
وتشمل مهمته عادة:
تقييم مدى تنفيذ الالتزامات الأمنية.
مناقشة انتشار الجيش اللبناني في الجنوب.
متابعة آليات الرقابة والتنسيق.
معالجة الاعتراضات الإسرائيلية بشأن ما تعتبره تهديدات أمنية.
إعداد تقارير ترفع إلى الإدارة الأميركية وإلى لجنة المتابعة.
لكن واشنطن لا تكتفي بدور الوسيط، بل تضطلع أيضًا بدور الضامن للمصالح الأمنية الإسرائيلية، ما يجعل الوفد العسكري الأميركي أقرب إلى جهة تتابع تنفيذ المطالب الإسرائيلية أكثر من كونه وسيطًا محايدًا.
ثالثًا: كيف يمكن تفسير مزاعم انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من مناطق غير محتلة في الجنوب؟
إن الحديث عن "الانسحاب" من مناطق لم تكن إسرائيل قد احتلتها أصلًا يحمل بعدًا إعلاميًا وسياسيًا أكثر منه عسكريًا.
فالانسحاب، في المفهوم العسكري، يعني مغادرة أرض كانت تحت السيطرة الفعلية. أما إذا لم تكن تلك المناطق خاضعة للاحتلال، فإن وصف ما جرى بأنه "انسحاب" يمنح إسرائيل مكسبًا سياسيًا وإعلاميًا، ويوحي بأنها قدمت تنازلًا، في حين أن الواقع الميداني لا يعكس ذلك.
وفي المقابل، تبقى المشكلة الأساسية، وفق هذا الطرح، في استمرار وجود القوات الإسرائيلية داخل نقاط يعتبرها لبنان جزءًا من أراضيه، وهو ما يجعل أي إعلان عن "الانسحاب" ناقصًا طالما لم يشمل جميع المواقع المختلف عليها. و بهذه الحالة يصبح الجيش اللبناني بمثابة ضابطة عدلية بيد الجيش الإسرائيلي .
رابعًا: هل سنشهد وقفًا لإطلاق النار بالتزامن مع تطبيق البنود الأمنية؟
إذا التزم الطرفان بما يتم الاتفاق عليه، فمن المرجح أن تنخفض وتيرة العمليات العسكرية، لأن نجاح أي ترتيبات أمنية يتطلب قدرًا من الهدوء الميداني.
لكن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة انتهاء التوتر، إذ قد تبقى احتمالات التصعيد قائمة إذا استمرت الخلافات حول تنفيذ البنود، أو إذا وقعت حوادث ميدانية، أو اختلف الطرفان في تفسير الالتزامات.
كما أن أي وقف للنار سيكون هشًا إذا شعر أحد الطرفين بأن الترتيبات الأمنية تُخلّ بتوازن الردع أو تمسّ بمصالحه الأساسية.
و لا يمكن إغفال أن إسرائيل حصلت على توقيع من الحكومة اللبنانية بموجب إتفاق الإطار يعطيها حرية الحركة في لبنان ، و معلوم أن إسرائيل تتحجج بأي شيء لتعود إلى الخروقات والقصف و الإغتيالات.
خامسًا: هل ستتحول لجنة الميكانيزم إلى لجنة ثلاثية... وكيف ستتصرف المقاومة؟
إذا تطورت آليات التنسيق بحيث أصبح هناك تواصل منتظم بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية أو دولية، فأرى أن اللجنة أخذت عمليًا طابعًا ثلاثيًا، حتى لو لم يُعلن ذلك رسميًا، لأن فرنسا لم يعد لها دور نهائياً كما كان حاصلاً باجنة الميكانيزم التي أصلاً كان دور العضو الفرنسي مهمشاً فيها .
أما بالنسبة إلى المقاومة، فلا يمكن الجزم مسبقًا بكيفية تصرفها، لأن ذلك يعتمد على قراراتها المعلنة والظروف الميدانية.
لكن يمكن تصور عدة سيناريوهات :
إذا اعتبرت أن الترتيبات الأمنية لا تمسُّ دورها ولا تغيِّر قواعد الاشتباك جذريًا، فقد تتجنب المواجهة المباشرة في المرحلة الأولى.
وإذا رأت أن الاتفاق يؤدي إلى تضييق كبير على نشاطها أو يهدف إلى نزع عناصر قوتها تدريجيًا، فقد تعارضه سياسيًا، وقد تتخذ خطوات ميدانية وفق تقديرها للظروف.
وقد تسعى أيضًا إلى تجنب صدام داخلي، مع الإبقاء على خطابها الرافض لأي ترتيبات تعتبرها تخدم الأمن الإسرائيلي على حساب السيادة اللبنانية و تتصدى لأي خطوة ميدانية إسرائيلية تعتبرها متناقضة مع أهدافها التي أصبحت معلنة بشكل واضح .
وبذلك، فإن مستقبل اللجنة وموقف المقاومة سيبقيان مرتبطين بطبيعة البنود التي ستُعتمد وبكيفية تطبيقها على الأرض، وليس بمجرد تغيير اسم اللجنة أو شكلها التنظيمي.