تتواصل التداعيات السياسية والأمنية في لبنان عقب الرد الإيراني على الاستهداف الإسرائيلي الذي طال الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في الجنوب، حيث بدأت ملامح مرحلة سياسية جديدة بالظهور، تعكس إعادة تموضع داخلي وخارجي في مقاربة الملف اللبناني ضمن السياق الإقليمي الأوسع.
وتشير المعطيات السياسية إلى أن المشهد اللبناني بات أكثر تعقيداً بعد هذا التطور، مع بروز اتجاهات داخلية وخارجية تسعى إلى إعادة ترتيب الأولويات السياسية والأمنية، في ظل استمرار التوتر الميداني على الحدود الجنوبية.
مقاربة رئاسية أكثر حذراً تربط الملفات بشروط سياسية
في السياق الداخلي، برز تحول في خطاب رئيس الجمهورية جوزيف عون، الذي كان قد شدد سابقاً على حصرية السلاح بيد الدولة، قبل أن يعتمد لاحقاً مقاربة أكثر حذراً تربط هذا الملف بمجموعة من الشروط السياسية والأمنية.
وتقوم هذه المقاربة على اعتبار أن معالجة ملف السلاح لا يمكن أن تتم بمعزل عن وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية، إضافة إلى مسارات مرتبطة بإعادة الإعمار وعودة النازحين واستعادة الاستقرار.
وخلال لقاء مع وفد من نواب في البرلمانين الفرنسي والأوروبي، أشار الرئيس عون إلى أن انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية يشكل مدخلاً أساسياً لبسط سلطة الدولة وإنهاء المظاهر المسلحة، في خطوة فُسرت على أنها انتقال نحو مقاربة أكثر تدرجاً في معالجة الملف.
كما أُفيد بأن هناك اتجاهاً لفتح قنوات تواصل جديدة مع إيران، على أساس أن أي حوار يجب أن يتم عبر الدولة اللبنانية بشكل مباشر، بعيداً عن الأطر غير الرسمية.
تحركات أميركية جديدة وتركيز على ملف النازحين
على المستوى الدبلوماسي، ظهرت انعكاسات التطورات الأخيرة في إدراج ملف عودة النازحين إلى القرى الجنوبية ضمن النقاشات التي نقلها الموفد الأميركي إلى بيروت، وهو بند لم يكن مطروحاً بهذه الصيغة في المقترحات السابقة.
لكن مصادر سياسية متابعة أكدت أن هذه الطروحات لم تترافق مع أجوبة واضحة، خصوصاً من الجانب اللبناني، حيث جرى التشديد على أن أي بحث في الترتيبات مرتبط أولاً بوقف شامل لإطلاق النار وانسحاب متزامن للقوات الإسرائيلية.
وفي هذا الإطار، تم التأكيد خلال لقاءات سياسية في عين التينة على ثوابت أساسية تتعلق بوقف شامل للعمليات العسكرية، وانسحاب إسرائيلي كامل، وإطلاق الأسرى، إلى جانب انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني.
واشنطن وإسرائيل: مسار متقارب وفصل بين الملفات
في موازاة ذلك، تشير معطيات سياسية إلى أن واشنطن لا تمارس ضغطاً مباشراً على إسرائيل، بل تعتمد مقاربة تقوم على فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، في إطار إدارة متزامنة للملفين دون دمجهما في مسار تفاوضي واحد.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن الموقف الأميركي لا يظهر تبايناً جوهرياً مع الموقف الإسرائيلي، بل يتقاطع معه في الهدف العام المتمثل في فرض ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في الجنوب اللبناني، مع الاستفادة من الواقع الميداني القائم لتحقيق أكبر قدر من الضمانات.
وتضيف المصادر أن واشنطن تسعى إلى استثمار الوضع القائم لإعادة صياغة قواعد الاشتباك، بما يشمل مستقبل دور الجيش اللبناني، وآليات الانسحاب، وترتيبات ما بعد الحرب في الجنوب.
تصعيد إسرائيلي وآلية رد جديدة
في المقابل، تواصل إسرائيل اعتماد سياسة التصعيد الميداني، في ظل قرار سياسي أمني يمنح الجيش صلاحية الرد المباشر دون العودة إلى المستوى السياسي في بعض الحالات، ما يفتح الباب أمام ردود سريعة قد تتوسع في أي لحظة.
وتسعى هذه المقاربة إلى تكريس معادلة ردع جديدة تربط أي استهداف للضاحية الجنوبية أو المناطق الحدودية بردود عسكرية مباشرة، بما يعكس انتقالاً في قواعد الاشتباك نحو مزيد من التصعيد.
كما يُنظر إلى استمرار العمليات العسكرية في الجنوب والبقاع باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى الضغط على حزب الله وتغيير معادلات القوة على الأرض، إضافة إلى توجيه رسائل سياسية مرتبطة بالمسار الإقليمي مع إيران.
الثنائي يتمسك بوقف شامل وانسحاب متزامن
في المقابل، يتمسك الطرفان اللبنانيان المعنيان بالمفاوضات بثوابت أساسية تقوم على وقف شامل لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي متزامن، وإعادة انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، إضافة إلى معالجة ملف الأسرى.
وتؤكد مصادر متابعة أن أي تفاهم مستقبلي لن يكون ممكناً من دون هذه الشروط، التي تُعدّ مدخلاً لأي تسوية سياسية أو أمنية دائمة.
مسار تفاوضي معقد يعيد رسم قواعد المرحلة المقبلة
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن لبنان دخل مرحلة سياسية وأمنية جديدة، حيث تتداخل الحسابات المحلية مع الإقليمية، وتتشابك ملفات الجنوب مع مسارات أوسع مرتبطة بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
وتشير المعطيات إلى أن المفاوضات الجارية لا تقتصر على ترتيبات أمنية مؤقتة، بل تمتد إلى إعادة صياغة شكل المرحلة المقبلة في الجنوب، بما يشمل توزيع النفوذ، ودور المؤسسات اللبنانية، وطبيعة التوازنات المستقبلية.
وبين التصعيد الميداني والتعقيد السياسي، يبقى المشهد اللبناني مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل غياب تسوية نهائية واضحة حتى الآن.